السبت، 24 فبراير 2018


 جبران خليل جبران : الانبهار أمام الحياة (1)
ترجمة : سعيد بوخليط
http://saidboukhlet.com/

تقديم : عمله الرئيسي،النبي،يمثل اليوم الكتاب الأكثر قراءة بعد الإنجيل.فقط في فرنسا،تتداول على الأقل خمس ترجمات،وبيعت منه في أرجاء العالم عشرات الملايين من النسخ.
خليل جبران الفيلسوف المسيحي(جبران تعني في العربية المؤاسي)هو بسيط،أبدي،وكوني : أكثر ما يطويه الإنسان من الإلهي،يتمثل في"انذهاله أمام الحياة''.
يتحرق جبران شوقا كي يعيش،مفضلا صداقة النساء ولا يمتنع عن أي سبيل يقوده نحو الإبداع.علاوة على كتبه وقصائده،كتبت أولا بالعربية ثم مباشرة بالانجليزية،كان رساما مشهورا في الولايات المتحدة الأمريكية،وطن منفاه،وكاتب افتتاحيات معترف به في الصحافة العربية والشرق الأوسط. اتسمت أعوامه الأخيرة بالمرض وكذا النداءات المدنية التي أثارها مجده،لأن جبران اللبناني صار كاتبا أمريكيا يعبر عن اهتمامات كونية. فضلا عن لقاء الشرق والغرب،فقد جسد هذا الشاعر خاصة استبسال إنسان كي يصير كائنا حيا.
*مداخل فكر خليل جبران :
1-امتلاك طموح أن تكون :
بالنسبة لخليل جبران،نحن زوار في الطريق بين''ليل ذاتنا-القزِمة''و"نهار ذاتنا-الإلهية''. مثل سهم ينزع دوما نحو هدف،بالتالي على الإنسان التطلع نحو الذهاب أبعد من وجوده البسيط وعدم اكتفائه قط بمرحلة أضحت قائمة.كل رغبة تبلورت يلزمها أن تشكل بداية انطلاق رغبة جديدة.هكذا يمثل التوقف،تقوقعا على الذات،خيانة لإيقاع الطبيعة نفسها،بل ولطبيعتك.يلزمنا إدراك أن الاكتفاء يبقى أسوأ أعدائنا.
2حلم حياتك :
حتما من الحيوي أن تحلم،نهارا،بوعي وبكيفية بناءة : أن تحلم هي شجرة حياة حقيقية.أن تحلم لا يعني هروبا عن الواقع. بالنسبة إلى خليل جبران،من لايحلم قط يعجز عن إدراك طريقة التسامي عن يومه،هكذا يصيرا قِنّا له. مايسميه جبران الحلم،يعني الذهاب كي تسبر في ذاتك،واحدة واحدة،الأمنيات التي تضمرها،ثم تعمل على تحقيقها.السعي إلى  انبثاقها من طبيعتنا العميقة،هو أن تطرح تصرفا مسؤولا بالنسبة إلى مصيرك.إذن الحالم هو من ينقاد وراء وسائل بناء مستقبله.مع هذه الأحلام،يبحث ويكتشف الأهداف المتوخاة. خليل جبران يحلم ويعمل دون كلل،ولا يمنح نفسه سوى استراحة قصيرة،بحيث يرسم نهارا،ويكتب ليلا : لذلك مات شابا.
3-الانتماء إلى المستقبل :
مخلص للذكريات والأساطير التي وردت على لسان أمه،فقد بقي جبران مرتبطا بالشرق.مع ذلك،لا يمكن الإنسان إطالة المكوث عند الماضي،لأنه يلزمه التجدد باستمرار.ينبغي ل"الأنا-الإلهية" تخلصها من المترهل كي تترك المجال للجديد. العيش في إطار البارحة،يعني منح سلطة للأموات على حساب الأحياء،إنه تجمُّد الفرد ودحضه لحريته.تستدعي الأنا/الإلهية دائما المستقبل.بهذا المعنى نصح جبران خليل الآباء عدم تطلعهم قط كي يجعلوا أطفالهم امتدادا لهم،ومجرد أطياف تشبههم :((ليس أبناؤكم بأبناء لكم،بل أبناء وبنات نداء الحياة لنفسها)).
4-أن تكون موصولا ثانية بالكون :
جمال أرض لبنان،ألوانها ونُسْكها رسخت في قلب جبران عشقا عميقا للطبيعة غير قابل للشك أبدا.بالنسبة إليه،كعاشق أبدي للأشجار،"هذه القصائد التي تكتبها الأرض حول السماء"،يرتبط حتما المصير البشري بمصير الكون، كتب :((أراد القانون أن يعيش أحدنا من خلال الآخر)).بحيث يعتبر الكون الطبيعي مثل كائن حي :((إذا أنشدتم الجمال وحيدا وسط صحراء، فستحظون بحضور ما)).ينبغي لنا دائما الارتباط ثانية بهذا العالم الطبيعي .أسلوب جبران خليل،الشعري"المشرقي''،قد يسحرك أو يؤججك :((بين النبيذ الوردي للأشياء الصغيرة يعثر القلب على صباحه وينتعش)).أسلوب يلزم استهلاكه باعتدال، مثل بعض الحلويات الشرقية.
5 –فلتحب ذاتك :
يبجل جبران خليل الثقة في الذات،فضيلة لا تسمح أساسا بالاستسلام لأوهام النفوذ أو الثروة. بالنسبة إليه، تولد السعادة عند تخوم القلب،وليست قطعا مجرد ثمرة أحوال خارجية.كل شيء مصدره الذات :((تطوي ذاتي صديقا يخفف عني كل مرة الآلام التي ترهقني ومآسي الحزينة.من لا يختبر صداقة نحوه يعتبر عدوا للعموم ومن لا يألف في ذاته صديقا حميما، سيموت يأسا)).لكننا نحن أيضا أسوأ عدو لذواتنا.يلزم فعلا''مماهاتها''لأنه :((لا أحد بوسعه إدراك الفجر دون عبوره طريق الليل)).
6 الرغبة في الحياة : 
أطفالكم ليسوا بأطفالكم،إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة لذاتها.يصدرون عنكم إلى هذا العالم،لكن ليس منكم مع أنهم يعيشون معكم.يمكنكم إعطاؤهم حبكم لكن ليس أفكاركم،فلديهم اعتقاداتهم الخاصة.يمكنكم الإيواء في أجسادهم لكن ليس أرواحهم،مادامت تسكن موطن الغد،بحيث لا يمكنكم أن تجهدوا أنفسكم كي تشبهوهم،ولا تتطلعوا نحو أن يشبهوكم.لأن الحياة لا تعود  إلى الوراء ولا تركن عند البارحة.أنتم الأقواس التي ترمي بأطفالها مثل سهام حية.يتأمل رامي السهام  الهدف في طريق اللانهائي،ثم يلويكم بكل قوته كي تسري سهامه سريعا وبعيدا.وأن ينزع هذا التقوس، بين يدي الرامي نحو السعادة،لأنه مثلما يحب السهم الذي يحلق،يحب أيضا قوسه الثابت.
ثم هناك من يملكون القليل بيد أنهم يغدقون عطاء بكل مالديهم.أولئك من آمنوا بالحياة وسخاء الحياة،ثم لا تفرغ خزانتهم قط.
قالوا لي خلال يقظتهم : ((أنت هو العالم الذي تعيش فيه فلست سوى حبة رمل على شاطئ  يمتد غاية اللانهائي لبحر لانهائي.ثم أجبتهم من خلال حلمي :"أنا البحر اللانهائي،ومختلف العوالم ليست سوى حبات رمل على شاطئي")).  
أمشي أبديا على هذه الشواطئ،بين الرمل والزبد.
سيمسح مدّ البحر أثر خطواتي،وستذهب الريح بالزبد.
لكن يدوم البحر والشاطئ إلى الأبد.  
كيف يمكنني أن أفقد إيماني في عدالة الحياة،مادامت أحلام الذين ينامون على الريش ليست أجمل من أحلام النائمين على الأرض ؟  
7-الحب :
حينما يومئ إليكم الحب بإشارة،فتعقبوه،حتى ولو كانت طرقاته وعرة وشائكة.
حينما يظلك بأجنحته،فاستسلم له،مع أن السيف الذي يطويه ريشه قد يجرحك.وحينما يخاطبك،فآمن به،حتى ولو أن صوته يجازف بتهشيم أحلامك مثلما تتلف ريح الشمال حديقة.
يجهل الحب عمقه حتى لحظة الفراق.
لايمنح الحب شيئا سوى ذاته ولا يأخذ شيئا غير ذاته.الحب لايَملك أو يُملك. إنه الحب فحسب. 
8 – حِكم :
لاأحد يدرك الفجر دون عبوره طريق الليل.
يجد القلب صباحه في الندى العالق بين الأشياء الصغيرة وينتعش.
من الجيد أن نمنح حينما يُطلب ذلك،لكن يستحسن أيضا أن نعطي ببصيرة،حينما لايُطلب ذلك،وبالنسبة لليد المفتوحة،فالبحث عن الذي سيتلقاها أكبر سعادة من مجرد تقديمها لعطاء.وماذا بوسعكم أن ترفضوا؟كل ما لديكم،سيُعطى في يوم من الأيام،بالتالي امنحوه حاليا،كي تكون لحظة العطاء لحظتكم وليس لحظة لورثتكم.
جسدكم  قيتارة روحكم.ولكم أمر أن تستخرجوا منه الموسيقى الناعمة أو الغامضة.
الذي يرتدي سلوكه باعتباره أجمل رداء له يجدر به أن يذهب عاريا.
حتى الذين يعرجون لايرتدون قط إلى الوراء.  
الذكرى صيغة للقاء.النسيان مظهر للحرية.
افتح عينيك جدا،وانظر،تجد صورك في كل الصور،وافتح أذنيك جيدا.واصغ تسمع صوتك في كل الأصوات.
الخبرة بداية المعرفة.
العزلة عاصفة هوجاء صماء تقتلع جميع الأغصان اليابسة في شجرة حياتنا.
9-السرور والحزن :  
سيقول أحدكم :((السرور أقوى من الحزن))،وسيقول البعض الآخر :((لا الحزن أقوى)).لكني أقول لكم،إنهما متلازمين.يأتيان معا،وحينما يجلس أحدهما معك على طاولتك،فلا تنسى أن الثاني يرقد على سريرك.
حينما تكون سعيدا،ارجع إلى أعماق قلبك فترى أنك في الحقيقة تفرح بما كان يوما مصدر حزنك وحين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوما مصدر بهجتك.

10-أسرار :
إذا كشفت عن أسرارك للريح ،فلا تلم الريح إذا باحت بها للأشجار.
تعلم قلوبكم صمتا أسرار الأيام والليالي.لكن آذانكم تتعطش إلى صوت المعرفة. وكم تتمنوا أن تعرفوا باللفظ ماعرفتموه دائما بالفكر وأن تلمسوا بأصابعكم الجسد العاري لأحلامكم .
هذه الأشياء.يقولها بكلمات.لكنه سيحتفظ بأخرى كثيرة في قلبه دون الإفصاح عنها.حتى هو لايمكنه الحديث عن سره الأكثر عمقا.
11-موت :
مامعنى إذن أن تموت،إذا لم تكن أن تعرض نفسك عاريا إلى الريح وتتبخر نحو الشمس؟
  حينما تشربون من نهر الصمت،يمنكم فقط حينئذ التغني بالحقيقة.
وعندما تدركون قمة الجبل،ستشرعون في الصعود.حينئذ ستلتمس الأرض جسدكم وترقصون أخيرا.  
هل بوسعكم أن تتركوا أكثر جسدكم وبشكل أقل ثيابكم والذهاب نحو لقاء الشمس والريح.لأن نَفَس الحياة يكمن في نور الشمس ويد الحياة في الريح.

*المرجع :
:Hors-série :novembre-décembre2017.PP/71-73. Psychologies Magazine          

السبت، 17 فبراير 2018


التسلط الذكوري (1)
بقلم : بيير بورديو
ترجمة : سعيد بوخليط

تقديم : سنة 1998،سلط السوسيولوجي بيير بورديو الضوء على الصعوبات الفكرية والسياسية التي تطرحها هيمنة الذكور. إذا كان الاغتصاب أو العنف الزوجي بمثابة تعبير شرس،ففي أغلب الأحيان تمر هذه القوة بطريقة خفية،بل وأمام أعين النساء أنفسهن.بالتالي،ليس من السهل إذن إبرازها والتصدي لها.
يستحيل بالتأكيد اقتحام موضوع على قدر من الصعوبة قبل أن أتمرن عليه وفق كل ما انطوى عليه بحثي من منطق.لم أتوقف أبدا،في الواقع،عن الاندهاش حيال  ما يمكننا سميته بمفارقة الدوكسا(مجموع الاعتقادات والممارسات المجتمعية التي صارت عادية، ومسلما بها،ولا ينبغي مساءلتها ثانية) : انطلاقا من كون نظام العالم مثلما يبدو،بمعانيه المتفردة والمحظورة،حسب الدلالة الخاصة أو المجازية،ثم موجباته وعقوباته،يبقى عموما محترما،بحيث لا مجال للانتهاك أو التقويض،للمخالفة أو "ارتكاب الحماقات"(يكفي مجرد استحضار الاتفاق المدهش لآلاف القصديات – أو الإرادات- التي يحتمها سياق سير سيارة خلال خمس دقائق وسط ساحة الباستيل أو الكونكورد في باريس).أو الأكثر إثارة أيضا،أن النظام المستتب،يتأبَّد نهائيا بسهولة،من خلال علاقات هيمنته،وحقوقه، وسلطه،وامتيازاته،وتحكٌّمه،ويلقي جانبا بعض الأحداث التاريخية،ثم يحول معطيات حياة يصعب تماما تحملها،فيجعلها تبدو غالبا جدا كما لو هي مقبولة بل وحتى عادية. 
وقد رأيت كذلك  دائما في الهيمنة الذكورية،ثم الطريقة التي تفرض بها ويتم تحملها،نموذجا جليا لهذا الإذعان اللامعقول،ومفعولا لما أسميه بالعنف الرمزي،وهو عنف ناعم،غير محسوس،لامرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم،يُمارس حسب المطلوب عبر قنوات  محض رمزية للتواصل والمعرفة أو بصيغة أكثر تدقيقا،من خلال الإنكار،ثم الإقرار والعاطفة كأقصى حد.
هذه العلاقة المجتمعية والاعتيادية على نحو غير مألوف تمنح مع ذلك فرصة واضحة قصد تناول منطق الهيمنة المُمَارس باسم مبدأ رمزي معروف ومعترف به من طرف المسيطِر وكذا الخاضع،لغة (أو تلفظ) ،أسلوب حياة (أو طريقة التفكير،التحدث أو التصرف) ،وبشكل عام،خاصية مُمَيزة،رمزية أو مُحدِّدة،حيث أكثرها فعالية رمزيا تلك السمة الجسدية التعسفية تماما غير المُتوقعة المتمثلة في لون الجسد.  
نرى جيدا بالنسبة لهذه المعطيات أن الأمر يتعلق قبل كل شيء باستعادة الدوكسا لخاصيتها المتناقضة في ذات آن تفكيك الميكانيزمات المسؤولة عن تحويل التاريخ إلى فطرة ثم جعل الثقافي التعسفي طبيعيا.ولكي نكون ،في مستوى تناول، حسب فضائنا الخاص ورؤيتنا الذاتية للعالم،وجهة نظر الأنتروبولوجي القادر في الوقت نفسه كي يعيد إلى مبدأ الرؤية والانقسام (الناموس)المُؤَسِّسِ للاختلاف بين المذكر والمؤنث الذي نجهله،سمته التعسفية ،الطارئة،وكذلك في ذات الوقت،ضرورته السوسيولوجية.
ليس صدفة،أنه حينما أرادت  فيرجينيا وولف(روائية ومفكرة انجليزية 1941-1882) تعليق ماسمته بروعة : "القدرة التنويمية للهيمنة"،فقد تسلحت بقياس إتنوغرافي،بحيث ربطت وراثيا عزل النساء قياسا إلى طقوس مجتمع بدائي :((حتما،نعتبر المجتمع مثل فضاء تواطؤ يبتلع الأخ حيث الكثير منا له مبررات احترامه على مستوى الحياة الخاصة،ويفرض مكانه ذكرا مخيفا،صاحب صوت رعد،وقبضة حديدية،و يُرسم بالطبشور بكيفية سخيفة ،فوق مساحة العلامات ،هذه الخطوط الرمزية الفاصلة المنحصرة بينها الكائنات الإنسانية، متصلبة، ومنفصلة، ومصطنعة. في هذه الأمكنة،وقد زُين بالذهب والأرجوان،يجمِّله ريش مثل وحش،يواصل شعائره الرمزية ويتمتع بملذات سلطوية ومهيمنة مشبوهة ،بينما نحن"نساؤه" ،محتجزات  داخل منزل الأسرة دون أن تتاح لنا المشاركة في أي من المجتمعات العديدة التي يتألف منها مجتمعه)).
"خطوط فاصلة رمزية"،"شعائر رمزية"،هذه اللغة،لغة تغيير الوجهة السحرية والتحول الرمزي الذي يحدثه التكريس الشعائري ،مبدأ ولادة جديدة، تشجع على توجيه البحث نحو مقاربة قادرة على ضبط البعد الرمزي تحديدا للهيمنة الذكورية.
ينبغي التماس تحليل مادي لاقتصاد الثروات الرمزية وسائل الهروب من التعاقب الضار بين "المادي"و"الروحي"أو "التصوري"(ترسخ اليوم من خلال التعارض بين الدراسات المسماة "مادية"،التي تشرح عدم التماثل بين الأجناس من خلال شروط الإنتاج،ثم الدراسات المسماة "رمزية"، غالبا مدهشة لكنها جزئية).لكن،قبل ذلك،وحده استعمال خاص جدا للإتنولوجيا يمكنه السماح بتحقيق المشروع،المقترح من طرف فرجينيا وولف،بموضعة علمية لعملية محض ملغزة يعتبرالانقسام بين الأجناس نتاجا لها،أو بمعاني أخرى،معالجة التحليل الموضوعي لمجتمع منظم من جهة إلى أخرى وفق مبدأ التمركز الذكوري - تقليد منطقة القبايل- كأركيولوجيا موضوعية  للاوعي،بمعنى مثل أداة تحليل اجتماعي حقيقي.   
يعتبر هذا الالتفاف حسب تقليد دخيل ضروريا من أجل تكسير علاقة الألفة المخادعة التي تربطنا بتقاليدنا الخاصة.المظاهر البيولوجية والتأثيرات الواقعية الفعلية حقا التي أنتجتها،على مستوى الأجسام والأدمغة،مثلت عملا جماعيا طويلا لإضفاء الطابع الاشتراكي على البيولوجي ثم إضفاء الطابع البيولوجي على المجتمعي ويقترنان بغية قلب العلاقة بين الأسباب والنتائج ثم العمل على إبراز بناء مجتمعي مُجَنّس("الأجناس"باعتبارها هابيتوس جنسي)كأساس في الطبيعة للتقسيم الاعتباطي الذي يعتبر مبدأ وحقيقة وكذا تقديم الحقيقة،التي تُفرض أحيانا على البحث نفسه.   
هكذا من النادر أن تناول علماء النفس ثانية من جهتهم الرؤية المشتركة للأجناس مثل مجموعات منفصلة جذريا،دون تقاطعات،ويجهلون بالتالي درجة الاسترداد ضمن توزيع الأداءات الذكورية والأنثوية،وتباينات(السمو)بين الاختلافات المُلاحظة في مختلف الميادين(من التشريح الجنسي إلى الذكاء).أو،الشيء الأكثر فظاعة ،انقيادهم المتكرر لحظة تطلعهم إلى بناء ووصف موضوعهم،خلف مبادئ الرؤية وكذا التقسيم الذي تتضمنه اللغة المألوفة،سواء حين سعيهم إلى قياس  الفوارق التي تستحضرها اللغة – مثل سيكون الرجال أكثر ''عدوانية" والنساء أكثر "خشية" – أو جراء استعمالهم لعبارات عادية،بالتالي ضخامة أحكام القيمة،من أجل وصف تلك التباينات. 
لكن هذا التوظيف شبه التحليلي للإتنوغرافيا والذي تسقط عنه حقوقه الجنسية من خلال انتقاله إلى مقاربة تاريخية،لِما يبدو طبيعيا جدا داخل  النظام المجتمعي،أي التقسيم بين الأجناس،ألا يوشك بتسليطه الضوء على الثوابت واللا-متغيرات – هي المصدر ذاته لفعاليتها السوسيوتحليلية- ومن خلال ذلك،تأبيدها،بتأكيد تمثيل محافظ للعلاقة بين الأجناس، مما يكثف أيضا أسطورة ''المؤنث الأبدي"؟.
هنا ينبغي التصدي لمفارقة جديدة،متعلقة بكبح ثورة شاملة على طريقة دراسة ما أردنا دراسته تحت أنواع"تاريخ النساء" :ألا تلزم تلك اللا- متغيرات، ومن ورائها مختلف التغيرات المرئية للوضع النسائي،باحتراز ضمن علاقات الهيمنة بين الأجناس،كي نتناول كموضوع متميز الميكانيزمات والمؤسسات التاريخية،التي لم تتوقف على امتداد التاريخ،في انتزاع هذه الثوابت لصالح التاريخ؟
لن تكون هذه الثورة في المعرفة دون نتيجة عملية،لاسيما بخصوص مفهوم الاستراتجيات الموجِّهة لتغيير الحالة الراهنة لعلاقة القوة المادية والرمزية بين الأجناس.
إذا كان صحيحا أن مبدأ تأبيد علاقة الهيمنة تلك، لا يوجد- أو مبدئيا على العموم-  في إحدى الفضاءات الأكثر تجليا لتمرينه،بمعنى داخل وحدة العائلة،التي ركزت حولها خطابات نسائية معينة جل أنظارها،بل بين طيات سلط مثل المدرسة أو الدولة،أي أمكنة  إعداد وفرض أسس سيطرة، ثم تتمرس داخل الفضاء الأكثر خصوصية،هو حقل فعل ضخم يجد نفسه مفتوحا أمام نضالات النساء،المدعوات كي يأخذن فعليا مكانا أصليا،وإيجابيا ،صوب الصراعات السياسية ومختلف أشكال الهيمنة.
* المرجع:
1-pierre Bourdieu :in ;Manière de voir :Janvier2017 ;pp :74-77.