الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

لقاء ايلين كيو مع الفيلسوف جان لوك نانسي

ترجمة : محمد يوسف 
المصدر : هفنغتون بوست





ايلين كيو : ما هي التحديات الكبرى التي تواجهها الأفكار الفلسفية اليوم ؟ 

نانسي : في الفلسفة لا شئ معطى ، لا شئ يمكن إعتباره واضحا . على سبيل المثال ، ليس من الممكن التحدث عن ” الإنسان” ، ” المجتمع”، “العلم ” كما لو أن هذه الكلمات تؤسس لحقائق معلومة . التحدي ليس أن ننغلق تحديدا في أي هوية بعينها . فبالنسبة للفيلسوف لا شئ ينبغي أن يؤخذ بوجه الضمان . المعاني المسبقة والمثبتة يجب أن تراجع دائما و بالتالي فرص جديدة ستفتح .

كيف للفيلسوف أن يعلم المجتمع التفكير بطريقة ما ، بينما هو نفسه قلق مثلنا للحصول على إجابات وحقائق يتشبث بها ؟

بالتحديد عدم الصبر هذا قد يكون الفخ . من ناحية ، عدم الصبر شئ صحيح : فلا يوجد سبب للإنتظار ، والشروط لحياة لائقة قد يطالب بها في أي وقت . من ناحية أخرى ، هنالك اسئلة معتمة و معقدة واجاباتها اذا كانت مؤكدة او جذرية فإنها كما نقول قد تكون خطرة . الانفصال الحالي “1”  يعتبر مثال جيد : بدأ التصويت و الداعمين له أصبحوا قلقين وبدأوا يتساءلون عنه . أو حزب البوديموس “2” الذين بدأوا بقوة ولكن بسرعة خسروا القوة بدل أن يكتسبوها . أيضا التعقيد الحالي ناتج من مقاومة عدم الصبر : الذي يحس به من تم اقصاءهم وعدم صبر من يخافون الاقصاء ( الطبقة  الوسطى ) وعدم صبر الذين يبحثون عن ملجأ وعدم صبر الذين يخافون غزو اللاجيئين ، وعدم صبر الذين يحنون الى الماضي وجها لوجه مع الذين يحنون لقدوم المستقبل .  الان من الصعب جدا تحديد مسار معين كما كان في زمن معاناة العمال أو نهاية الدكتاتورية . كيف أن دكتاتورية فرانكو استمرت لفترة طويلة بينما كان عدد كبير من الناس ضدها ؟ لأنه كان زمن تحولات إجتماعية وتحولات في الإقتصاد الأوروبي ، التي بدورها حورت الظروف التي أعدت لنهاية الدكتاتورية .  لماذا الاشتراكية والشيوعية الأوروبية منتقدة ؟  لأن محركاتها قديمة جدا . علينا ايجاد طرق جديدة لبسط العلاقات التي تحولت فيها القوة ، التقنية والتوقعات ببطء . في الحقيقة ، هذا ما يجب ان يتم فهمه : الصبر نشط لا عرضي . بين صبر على نفاد الصبر وبين نفاد الصبر على الصبر .  

لقد كتبت غالبا بشأن الإرهاب , خصوصا بعد هجمات فرنسا . ما رأيك بهذا الشأن ؟

الإرهاب يرتبط بقوتين : التغير في غلبة العالم الغربي و تأكيد الإسلام على وجوده ، الوجود الذي تحطم توازنه بالإستعمار وسقوط  الإمبراطورية العثمانية . هذا الإرهاب يكشف وضع حرج نشأ من تضاد قوي بين النموذج الغربي للتنمية والرفاهية ، وحقائق الوجود في مناطق تحس بالتهميش ، حيث الطبقات العليا تحتفظ بالفرق الهائل في السلطة والوضع الإجتماعي .  في الوقت نفسه ، الغرب ضعيف في قوته . لا يؤمن بحضارته ، مشغول بتقنيته وينظر كيف نمت الرأسمالية بدون تقليل في الاختلاف بين درجات المعيشة ، حيث لا يستطيع أن يبقى إقتصاد إشتراكي ( الاقتصاد السوفييتي نوع من أنواع الإقتصاد الرأسمالي ) . في الحقيقة لا يوجد غرب بعد الان وبدلا من ذلك هناك اقطاب تقنو-اقتصادية للقوة رؤوسها المباشرة الولايات المتحدة الامريكية والولايات الغير المتحدة الأسيوية , والتي املاكها و قدراتها تصل الى كل مكان تقريبا , وحيثما توجد مصادر للإستغلال . أوروبا ليس لديها اتساق خاص بها وهي عرضة لهذا التنوع في قوى العالم و العولمة ...
ولهذا العولمة تنشئ الإنفجارات ، المآسي وإنهيار المجتمعات والثقافات من كل نوع . لخمس قرون آمنا أن اليوتوبيا ممكنة التحقق ، وآمنا بغرورهم . الآن علينا أن نفكر بصورة مختلفة ونعكس مكاننا من العالم . هذا سيأخذ زمنا طويلا .. قرونا .. ربما .. لكن المجتمعات اثبتت قدرتها دائما على تجاوز التحديات الصعبة .

ما الذي تحيل إليه عندما تتحدث بشأن ” مفاجأة الحرية ” هل تؤمن بأننا أحرار ، أم لا ؟ 

الحرية ليست قدرة نمتلكها أو حق نمتلكه و بإمكاننا التخلص منه . الحرية توجد في حقيقة وجودنا وليست مبرمجة ، ويجب أن تجد طريقها . على كل  ،  هي كالوجود في العالم لها شروط وحدود . لسنا حرين بمعنى ” أن يفعل كل أحد منا ما يريده ” و ” يستقل عن كل شئ ” لأننا نعتمد على أشياء كثيرة ،  ومعظم الوقت ” إرادتنا ” تحتوي علي  ميل ، توق آت من مكان آخر . فهم هذا وما يعنيه هو بداية التحرر . ولهذا تفاجئنا الحرية لأننا نكتشف أن هناك شئ آخر غير الذي كان واضحا بالنسبة لنا
على سبيل المثال : اذا اصبحت مريضا وغير قادر على اداء وظيفتي ، لكن يمكنني رؤية حالي كتجربة ؛ تجربة عدم المسؤولية من كل قراراتي واختياراتي . بعض الأحيان المريض ” يعطي دروس ” للأصحاء

هل يمكنك تفسير كيف أن المعاناة فرصة لتوسيع الحرية ؟ 


هذا ليس ما أقوله … وفوق ذلك أنا لا أقول أنها فرصة . المعاناة ليست وضعا مفضلا ، انها سبب لكي تثور ، خصوصا سبب لتبحث كيف تثور ، في أفضل الحالات . بصيغة أخرى ، الى ماذا تنتهي ؟ بالتأكيد الهدف هو ألا نعاني أكثر ، لكن حتى ذلك يجب تعريفه . لزمن طويل ، كان هذا الهدف مؤسسا في كلمة ” الشيوعية ” أو ” الإشتراكية ” . لكن هذه الكلمات لم تتطور حقا ، ما عدا في النموذج السوفييتي ، وهذا النموذج قد فشل

لماذا فشل ؟ 

هذا التحليل لم يتم الى الآن أو تم بصورة غير كافية .  فبدلا من النظر العميق الى السؤال ، الشيوعيون سعيدون فقط بالأسى على الرأسمالية السيئة التي إستبدلت أي فكرة لمجتمع عادل مع حرية الزبون . التذمر بشأن عدم العدالة ، لكنهم لا يعلمون أين توجد العدالة . على سبيل المثال نحن غالبا نتحدث اليوم بشأن تخفيض الأجور العالمي . هي تبدو فكرة عادلة وجيدة ، لكنها ايضا فكرة خطيرة جدا والتي ستبقي الكثيرين على حد الكفاف . الحقيقة في هذه الايام ، لكي نخترع ، اولا يجب أن نفكر . ويجب أن نصرخ أيضا . الانفصال “1” كان صرخة هولاء الذين عوملوا بإحتقار من قبل الطبقات الحاكمة في اوروبا . ونحن يجب أن نستمع لهذه الصرخة . لكن ما الذي يجب فهمه منها ؟ ذلك الذي تبقي لنشاهده

في كتابك تفكيك المسيحية ، تحدثت بشأن الدين في عالم اليوم ، هل يمكنك إخباري القليل بشأن ذلك ؟ 

إنه ليس بشأن التحطيم أو الإبادة لكن بشأن الوقوف جانبا أو إعادة تشكيل الصرح لتوضيح مما تم صنعه . اليوم ، المسيحية ليست مصنوعة من الدين . لقد صنعت من تحول عميق لإنسانية الشرق الأوسط عندما أرادت الخروج من العالم القديم ، عالم الحدود ، العالم المنتهي ، والذي يمكننا تمسيته المعرف . في كل مكان هنالك آلهة بوظائف محددة ، وقوانين يتم الالتزام بها ، ونظم يتم محاكاتها و آفاق محدودة . في نقطة معينة ، كلها تنهار . بلا شك ، مع الامبراطورية الرومانية نرى ” العولمة ” الأولى – حين  كان الانعتاق من الاقاليم المغلقة والشروط الثابتة ( مثل ” الرجل ضد العبد ” ) . وبعد ذلك الرغبة في المطلق ، و بدأت وعود الإطلاق . هذا الحدث انتج تغيير في الحضارة ، الثقافة والمجتمع وادى الى المغامرات العظمى في العالم الحديث ، مع كل مخاطرها


ومع هذا التفكيك للمسيحية ، ما هي الخلاصة التي وصلت اليها ؟ 

الخلاصة الأولى هي الأكثر أهمية :  التحول العميق للمجتمع الذي حدث مع وصول المسيحية كان الإنعتاق من الدين الوثني كخرافة الى رؤية كونية بآفاق مطلقة . العالمي ، الكل بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية يعني ، فوق الكل ، اللا محدود ، اللا مثيل  ، وبدلا عن ذلك إطلاقية مفتوحة . اذا هنالك ايضا قدرة على الشراكة ، نستطيع ويجب أن نحول العالم ، الى الاطلاق . المسيحية حولت نفسها الى المادية كإنسانية ، كما الرأسمالية والتطور التقني .  كل هذا أصبح إشكالي ومعتم ، لكننا دوما نتطلع الى الاطلاقية . والدين كنقطة تجمع يرجع له قد اختفى من الغرب . الخلاصة الاخرى هي العكس تماما : اذا كانت المسيحية اخذت تفرض نموذج الدين الذي لديها منذ قرون ، فهذا بسبب اليقينيات والمرجعيات التي قامت عليها وهي مرغوبة دائما وبشدة . ثم هنالك الذين يناسبون هذه المرجعيات لبناء المعنى ، كاداة قوة ، كجمال مثالي او امتاع للفكر ، و هولاء ( وبصورة غريبة هم متشابهون )  يبحثون عن من يمثلهم ، الصور والأساطير التي يوصلونها لأنفسهم . الإلحاد غير قادر على حل كثير من الشكوك . وهذا عار ، لأن الدين كتأكيد هو عدم حرية ، ما عدا بعض الصوفيين و كبار الرجال الروحيين الذين من ناحية أخرى ساعدوا الكثير من الأديان لتتطور .  

في النهاية ، دعنا نتكلم بخصوص الفن . بأي طريقة تعتقد أن ” الفن الحديث ” مختلف من ” الفن التقليدي ” ؟ 

الفن التقليدي مربوط بإحتمالية تمثيل الحقيقة – الدين ، الحقيقة البطولية أو السياسية ، أو حقيقة الإدراك , الإحساس أو الشعور . العالم الحديث يرى الحقيقة كرحلة لا نهائية من البحث . لا توجد اشكال ونماذج ثابتة بعد الان ، ولا حتى في ما يستطيع الفن صناعته في ما قد نسميه التجريد او اللون بدون نماذج محددة ( روثكو ، نيومان ، بولوك ) “3” . ثقافة جديدة بكاملها تم اختراعها حيث أصبح معنى الفن غامضا ، بالتحديد لأنه ليس بعد مهتما بتمثيل الحقائق ماذا قد يعني اذا معنى الفن بطريقة ما ، ملغز وصعب المنال . لأنه لا يمكن صياغته في اللغة . فكري مثلا بالموسيقى : ب موسيقى الإثني عشرة نغمة ، الموسيقى السوريالية ، الجاز الإلكتروني ، الروك والخليط النغمي والغير نغمي من الموسيقى ، بانوراما الصوت تغيرت كثيرا  ( كما قد تغير منظارنا البصري ، لكن الصوت له اختراق اقوى للاحساس ، فكري بالتكهرب ، التقنية ، الراب ، سلام “4” … الخ ) . نحن نبحث عن  تحسسات جديدة ، وهذا له خطورته بالتأكيد . نحن نبحث عن تحسسات والغاز للحس لتصبح لنا .
…................

(1) انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي
(2) حزب يساري اسباني
(3) 
رواد الفن الإنطباعي الأمريكي
(4) 
نوع من المزيج الصوتي


الموقع الاليكتروني : https://mfegda.wordpress.com/2016/08/27/لقاء-مع-جان-لوك-نانسي/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق