الخميس، 25 أغسطس 2016

تجربة الجسد : موريس مرلوبونتي



لقد تعّودنا بموجب التقليد الّديكارتي على التخلّص من الموضوع: فالموقف التأّملي يطّهر في آن واحد الفكرة الشائعة عن الجسد و عن النفس، و ذلك بتعريف الجسد كمجموع أجزاء دون باطن و النفس ككائن ماثل تماما أمام ذاته دون مسافة فاصلة. إنّ هذه التعريفات المتلازمة تقيم الوضوح فينا و خارجنا: شفافيّة موضوع بلا انثناءات و شفافيّة ذات ليست شيئا آخر سوى ما تفّكر فيه على أنّه كيانها.

فالموضوع موضوع من جهة إلى أخرى و الوعي وعي من جهة إلى أخرى. يوجد معنيان، و معنيان فقط، لكلمةُ وِجَد: نوجد من جهة ما نحن شيء أو نوجد من جهة ما نحن وعي. على النقيض من ذلك تكشف لنا تجربة الجسد الخاص نمط وجود ملتبس. فإذا ما حاولت أن أفّكر فيه بما هو ضمير الغائب مثل ُحْزمة سيروراتكما لو كان " رؤية " و " قّوة محّركة " و " جنسانيّة " ­- يتبيّن لي أّن هذه الوظائف لا يمكن أن تكون مرتبطة فيما بينها و بالعالم الخارجي بعلاقات سببيّة، فهي كلّها مستعادة و منخرطة ضمن مأساة فريدة غلى نحو غامض. فالجسد ليس إذن موضوعا. و لذات السبب، لا يكون وعيي به فكرا، بمعنى أنّني لا أستطيع تفكيكه و إعادة تركيبه لأكّون عنه فكرة واضحة. تظّل وحدته دوما ضمنيّة و ملتبسة. فهو باستمرار شيء آخر غير ما هو، هو دوما جنسانيّة و في اللحظة نفسها حريّة،مُتجذّرة في الطبيعة في نفس اللحظة التّي يجري فيها تحويله بفعل الثقافة، غير منغلق على ذاته بالمّرة و غير متجاوز البتّة. و سواء تعلّق الأمر بجسد الآخرين أو بجسدي الخاص فليس لدّي من سبيل لمعرفة الجسد الإنساني غير أن أعيشه أي أن أستعيد لحسابي المأساة التّي تشقّه و أن أتطابق معه. إنّني إذن جسدي على الأقّل ضمن الحّد الذّي أحصل فيه على مكسب ما و العكس بالعكس يكون جسدي بمثابة ذات طبيعيّة، مخّططا مؤقّتا لكّل كياني. هكذا تتعارض تجربة الجسد الخاص مع الحركة التأمليّة التّي تخلّص الموضوع من الذات و الذات من الموضوع، و التي لا تمنحنا إلاّ فكر الجسد أو الجسد في الفكرة، لا تجربة الجسد أو الجسد على حقيقته.

ميرلوبونتي، فينومينولوجيا الإدراك

M.MERLEAU-PONTY,Phénoménologie de la perception, éd. Gallimard, pp.230-231

(*) موريس مرلوبونتي (1908-1961) ، فيلسوف فرنسي ، وواحد من أهم فلاسفة الفينومينولوجيا، اشتغل استاذا بالمعاهد والجامعات، توفي مبكراً ورغم ذلك ترك موروثاً فلسفياً هاماً تشهد به أهم مؤلفاته التي نذكر منها "فينومينولوجيا الإدراك" (1945).

(*) المصدر: كتاب الفلسفة، السنة الرابعة من التعليم الثانوي، الشعب العلمية، الجمهورية التونسية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق