الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2016

فصل من رواية : امتداح الخالة

ماريو بارغاس يوسا
ترجمة: صالح علماني



(1)

عيد ميلاد دونيا لوكريثيا

في اليوم التالي الذي أكملت فيه أربعين سنة من عمرها، وجدت دونيا لوكريثيا على وسادتها رسالة ذات خط طفولي، مكتوبة بكثير من المحبة:

«عيد ميلاد سعيد يا خالتي!

لستُ أملك نقوداً لكي أهدي إليك أي شيء ولكنني سأدرس كثيراً، وسأنال المرتبة الأولى وتكون هذه هي هديتي إليك. أنت الأطيب والأجمل، وأنا أحلم بك كل ليلة.

عيد ميلاد سعيد مرة أخرى!

                                        ألفونسو»

كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بقليل وكان دون ريغوبيرتو في الحمام منهمكاً في اغتساله وتنظيفاته المعقدة والبطيئة التي يقوم بها قبل النوم. (فقد كانت النظافة الجسدية، بعد لوحات الرسم الإيروتيكية، هي عمله المفضل لتزجية الوقت؛ أما النظافة الروحية فلم تكن تهمه كثيراً). وقد تأثرت دونيا لوكريثيا برسالة الطفل وأحست بدافع لا يقاوم يدفعها للذهاب لرؤيته وتقديم الشكر له، فتلك السطور هي دليل على قبولها ضمن الأسرة حقاً. أيكون مستيقظاً؟ وما أهمية ذلك! إن لم يكن مستيقظاً، ستقبّل جبهته بحذر كبير كيلا توقظه.

بينما هي تنزل درجات السلم المغطاة بالسجاد في البيت الغارق في الظلام، متوجهة إلى غرفة نوم ألفونسو، كانت تفكر: «لقد كسبته إلى جانبي، لقد صار يحبني». وبدأت مخاوفها القديمة من الطفل تتبخر مثل سحابة ضباب خفيفة تنخرها شمس ليما الصيفية. لقد نسيت أن تلقي على جسدها الروب البيتي، فهي عارية تحت قميص نومها الحريري الأسود، وتكوراتها البيضاء الوافرة التي مازالت صلبة متماسكة، تبدو وكأنها تطفو في الظلمة التي تقطعها انعكاسات أضواء الشارع. كان شعرها الطويل مفلتاً، ولم تكن قد خلعت أقراط وخواتم وعقود الحفلة.

كانت غرفة الطفل مضاءة. ـ أجل، ففونتشو يقرأ حتى وقت متأخر جداً! ـ طرقت دونيا لوكريثا بفقرات أصابعها ودخلت: «ألفونسيتو!» وفي مخروط الضوء الأصفر الذي يبعثه مصباح السرير، أطل وجه طفل يسوع مذعور من وراء كتاب لأكسندر دوماس. خصل الشعر الذهبي المشعث، الفم المفتوح قليلاً بسبب المفاجأة يبدي صفي أسنان ناصعة البياض، العينان البيرتان الزرقاوان الزائغتان تحاولان تبينها في ظلمة عتبة الباب. بقيت دونيا لوكريثيا جامدة، تتأمله بعذوبة. يا للطفل الجميل! ملاك منذ مولده، واحد من غلمان تلك اللوحات الفاجرة التي يخبئها زوجها وراء أربعة أقفال.

ـ أهذه أنت يا خالتي؟

ـ أي رسالة جميلة كتبتها لي يا فونتشو. إنها أفضل هدية عيد ميلاد تلقيتها طوال حياتي، أقسم لك.

كان الطفل قد نهض ووقف على قدميه فوق السرير. وكان يبتسم لها وذراعاه مفتوحان. وبينما دونيا لوكريثيا تتقدم نحوه مبتسمة أيضاً، فوجئت ـ أم تراها حدست؟ ـ في عيني ابن زوجها، بنظرة تتحول من السعادة إلى الاضطراب وتنصبّ ذاهلة على قامتها، ففكرت: «رباه، إنك شبه عارية. كيف نسيت ارتداء الروب أيتها الحمقاء. أي مشهد هذا بالنسبة إلى الصغير المسكين.» أتكون قد شربت كؤوس خمر أكثر مما يجب؟

ولكن ألفونسيتو عانقها: «عيد ميلاد سعيد يا خالتي!» كان صوته الطازج المنطلق دون قلق يعيد الحيوية إلى الليل. أحست دونيا لوكريثيا بشبح القامة ذات العظام الهشة يلتصق بجسدها وفكرت بعصفور صغير. وخطر لها بأنها إذا ما ضمته بقوة أكبر، فإن الطفل سينكسر مثل نبتة كاريثو. وهكذا. بينما هو فوق السرير، كانا متساويين في طول القامة. كان قد طوق عنقها بذراعيه النحيلتين وراح يقبلها بحب من خدها. وعانقته دونيا لوكريثيا أيضاً، وانزلقت إحدى يديها إلى أسفل قميص البيجاما ذات اللون الأزرق البحري والحواف الحمراء، وداعبت ظهره وربتت عليه، شاعرة في أطراف أصابعها بتدرج عموده الفقري الهش. «أحبك كثيراً يا خالتي». همس الصوت النحيل في أذنها، وأحست دونيا لوكريثيا بشفتين نحيلتين تتوقفان عند شحمة أذنها، تدفئانها بأنفاسهما، تقبلانها وتعضانها لاعبتين. وبدا لها أن ألفونسيتو يضحك في الوقت الذي يتودد فيه إليها. كان صدرها طافحاً بالتأثر والانفعال. وفكرت كيف أن صديقاتها كن قد تنبأن بأن ابن زوجها هذا سيكون العقبة الكبرى، وأنها بسببه لن تكون سعيدة أبداً مع ريغوبيرتو. وفي خضم تأثرها وانفعالها، قبلته أيضاً من خديه، من جبهته، من شعره المشعث، بينما كان إحساس غامض، كأنه آت من بعيد، دون أن تدركه جيداً، يتسرب بين فينة وأخرى من جسدها، متركزاً بصورة خاصة في تلك الأجزاء ـ النهدين، البطن، ظاهر الفخذين، العنق، الكتفين، الخدين ـ المعرضة لملامسة الطفل. «هل تحبني كثيراً حقاً؟» سألته وهي تحاول الابتعاد عنه. لكن ألفونسيتو لم يفلتها، بل إنه تعلق بها وهو يجيبها مترنماً: «كثيراً جداً يا خالتي، أنت أكثر من أحبه». ثم أمسكت يداه الصغيرتان بصدغيها ودفعتا رأسها إلى الوراء. أحست دونيا لوكريثيا بنقرة في جبهتها، في عينيها، في حاجبيها، في خديها، في ذقنها... وعندما لامست الشفتان النحيلتان شفتيها. ضغطت على أسنانها مضطربة، أيفهم فونتشيتو ما الذي يفعله؟ هل يتوجب عليها أن تبعده عنها بعنف؟ ولكن لا، لا، كيف يمكن أن يكون هناك أدنى قدر من الخبث في التنقل المتقافز لهاتين الشفتين اللتين حطتا لحظة، مرتين... ثلاث مرات على شفتيها وضغطتا بنهم وهما تجوبان جغرافية وجهها.

ـ حسن، والآن إلى النوم ـ قالت أخيراً وهي تفلت من الطفل، وبذلك جهداً أكبر لتبدو أكثر سكوناً مما هي عليه. ثم أضافت: ـ وإلا لن تستيقظ من أجل الذهاب إلى المدرسة يا صغيري.

دس الطفل نفسه في السرير منصاعاً. كان ينظر إليها مبتسماً. بخدين متوردين ونظرة افتتان. أي خبث يمكن أن يكون فيه! هذا المخلوق النقي، عيناه الفرحتان... الجسد الصغير الذي ينكمش ويتقرقع تحت الملاءات، أليس تجسيداً للبراءة؟ أنت هي المتعفنة يا لوكريثيا! دثرته، سوت وسادته، قبّلت شعره وأطفأت مصباح السرير. وحين كانت تخرج من الغرفة، سمعته يغرد:

ـ سأحصل على المرتبة الأولى في المدرسة وأهديها إليك يا خالتي! 
ـ أهذا عهد يا فونتشيتو؟

ـ كلمة شرف!

وفي حميمية السلّم المتواطئة، بينما هي عائدة إلى مخدعها، أحست دونيا لوكريثيا بأنها تتوقد من قدميها إلى رأسها. وقالت لنفسها مذهولة: «ولكنها ليست حمى». أيمكن لمداعبة طفل غير واعية أن تسبب لها ذلك؟ إنك تتحولين إلى داعرة يا امرأة. أتكون هذه هي أول أعراض الشيخوخة؟ لأنها في الواقع كانت تلتهب وكانت ساقاها مبللتين. يا للعار يا لوكريثيا، يا للعار! وفجأة عبرت رأسها ذكرى صديقة خليعة كانت قد أثارت مشاعر الحياء والضحكات العصبية على طاولتها أثناء حفلة شاي لجمع تبرعات للصليب الأحمر، حين روت لهن أنها تنام عارية مع ابن زوجها الصغير الذي يحك لها ظهرها، فتتأجج مثل شعلة.

كان دون ريغوبيرتو مستلقياًَ على ظهره، عارياً فوق الفراش الأحمر القاني المطبع برسوم تشبه العقارب. وكان لا يكاد يظهر منه على وميض الأنوار المتسربة من الشارع إلى الغرفة مطفأة الأنوار، سوى شبحه الطويل الأبيض، والشعر الكثيف على الصدر والعانة. وقد بقي ساكناً بينما كانت دونيا لوكريثيا تنزلق وتتمدد بجانبه، دون أن تلمسه، أيكون زوجها قد نام؟

ـ أين ذهبت؟ ـ سمعته يدمدم بالصوت اللزج والبطيء لرجل يتكلم بخرخرة الوهم، الصوت الذي تعرفه جيداً ـ لماذا تركتني يا حياتي؟ 
ـ ذهبت لأقبل فونتشيتو. لقد كتب لي رسالة عيد ميلاد لا يمكنك تخيلها. كنتُ على وشك البكاء من شدة رقتها.

حدست أنه لا يكاد يسمعها. أحست بيد دون ريغوبيرتو اليمنى تلامس فخذها. إنها حراقة، مثل مضخة ماء يغلي. وبحثت أصابعه بتعثر ما بين طيات قميص نومها. ففكرت بقلق: «أتراه سيلاحظ أنني مبللة». كان قلقاً عابراً، لأن موجة الاحتدام نفسها التي استولت عليها وهي على السلم عادت إلى جسدها، وجعلته يرتعش. بدا لها أن كل مساماتها تتفتح متلهفة وتنتظر.

ـ وهل رأكِ فونتشيتو وأنت بقميص النوم؟ ـ تخيل صوت زوجها ملتهباً ـ لا بد أنك قد أوحيت بأفكار خبيثة إلى الصغير. وربما سيحلم هذه الليلة أول أحلامه الإيروتيكية.

سمعته يضحك متهيجاً. وضحكت هي أيضاً: «ما الذي تقول يا مجنون». وتظاهرت في الوقت نفسه بأنها تضربه، وتركت يدها اليسرى على بطن دون ريغوبيرتو. ولكن ما لمسته يدها كان سارية بشرية منتصبة ونابضة.

ـ ما هذا؟ ما هذا؟ ـ هتفت دونيا لوكريثيا وهي تضغط عليه، وتشده ـ وتفلته، وتستعيده ـ، انظر ما الذي وجدته، يا للمفاجأة!

كان دون ريغوبيرتو قد رفعها فوقه وراح يقبلها بتلذذ، مرتشفاً شفتيها، ومباعداً ما بينهما. وبينما عيناها مغمضتان، وهي تحس بطرف لسان زوجها يستكشف تجوف فمها، ماراً على اللثتين والحلق، محاولاًَ تذوق كل شيء والتعرف عليه، بقيت دونيا لوكريثيا لوقت طويل غارقة في ذهول سعيد، إحساس كثيف ونابض بدا وكأنه يلين أعضاءها ويفتحها، ويجعلها تطفو، تغرق، تدور. وفي عمق ذلك الإعصار اللذيذ كانت هي، والحياة، وكأنها تطل وتختفي في مرآة تفقد زئبقها، ترسم أحياناً وجهاً دخيلاً لملاك أشقر. كان زوجها قد رفع قميص نومها وأخذ يداعب إليتيها في كرة دائرية ومنهجية، بينما هو يقبل نهديها. سمعته يدمدم بأنه يحبها، ويهمس بعذوبة أن حياته الحقيقية قد بدأت معها. قبلته دونيا لوكريثيا من عنقه وعضعضت حلمتي صدره إلى أن سمعته يتأوه، ثم لحست ببطء عشي إبطيه اللذين يهيجانه كثيراً، واللذين كان دون ريغوبيرتو قد غسلهما وعطرها لها بعناية قبل أن ينام. سمعته يخرخر مثل قط مدلل، يتلوى تحت جسدها. وأخذت يداه المتسرعتان تبعدان ما بين ساقي دونيا لوكريثيا بشيء من الحنق. تجلسانها القرفصاء فوقه، تريحانها، تفتحانها. أنّت متألمة ومستمتعة بينما هي ترى في زوبعة مشوشة صورة للقديس سيباستيان مصاباً بسهم، مصلوباً ومبللاً. راودها إحساس بأنها قد نطحت في منتصف قلبها. ولم تتمهل بعدئذ. فقد أغمت عينيها، ووضعت يديها وراء رأسها، ودفعت صدرها إلى الأمام، ممتطية مهر الحب ذاك الذي يتأرجح بها، على إيقاعه، مدمدماً بكلمات تكاد لا تكون مفهومة، إلى أن أحس بأنه يموت.

وسألته مستفهمة وهي في العماء:

ـ من أنا؟ من تراني كنت؟

وانفجر دون ريغوبيرتو تائهاً في حلمه:

ـ أنت زوجة ملك ليديا يا حبي.

(2)

قنداولس، ملك ليديا



أنا قنداولس، ملك ليديا، البلد الصغير الواقع ما بين جونيا وكاريا، في قلب تلك الأراضي التي ستُعرف بعد قرون باسم تركية. أكثر ما يسبب لي الفخر في مملكتي ليس جبالها المتشققة بفعل الجفاف، ولا رعاة ماعزها الذي يسارعون إذا اقتضى الأمر إلى مواجهة الغزاة الفريجيين والإيوليين والدوريين الآتين من آسيا، ويهزمونهم، أو يتصدون للعصابات الفينيقية والإسبارطية وللبدو الرحل الاسثيتيين الذين يأتون لسلب حدودنا، وإنما مصدر فخري هو ردف زوجتي لوكريثيا.



أقول وأكرر رِدْف، لا مؤخرة، ولا كفل، ولا إليتان، ولا طيز، ولا ورك، وإنما ردف. لأنني عندما أمتطيها يراودني هذا الإحساس: إحساس من يكون فوق مهرة عضلية ومخملية، مزيج من الأعصاب والرقة الخالصة. إنه ردف قاسٍ وربما هو ضخم جداً مثلما تقول الأساطير التي تشاع عنه في المملكة، مضخمة مخيلة رعيتي (تصل إلى مسامعي كل تلك الأساطير ولكنها لا تغضبني، بل تفرحني). عندما أمرها بأن تجثو وتلصق جبهتها بالسجادة، بحيث أستطيع تفحصها على هواي، يصل ذلك الشيء إلى حجمه الفاتن الأقصى. كل فلقة منه فردوس لحمي، وكلتاهما، تفصل بينهما هوة حساسة ذات زغب يكاد لا يكون مرئياً يغوص في غابة البياض والسواد والحرير العابق الذي يتوج عمودي الفخذين الراسخين. فيذكراني بأحد مذابح ديانة البابليين الهمجية التي محوناها. إنه ردف صلب عند اللمس وعذب في الشفتين، فسيح في الاحتضان ودافئ في الليالي الباردة، ووسادة طرية لإراحة الرأس، ومولد للذات في الهجمات الغرامية. ولوجه ليس سهلاً؛ بل هو أقرب إلى الألم في البدء، ويصل إلى حد البطولة بالمقاومة التي يبديها هذا اللحم الوردي للهجوم الذكري. لا بد من إرادة عنيدة وقضيب قوي ومثابر لا يرتدعان أمام أي شيء أو أحد مثلما هما إرادتي وقضيبي.

عندما قلت لجيجيس، ابن داسيلو، حارسي ووزيري بأنني فخور بمآثر عضوي مع لوكريثيا على السرير الفاخر ذي الستائر الذي في مخدعنا أكثر من اعتزازي بمآثري في ميدان المعركة أو إنصافي في إقامة العدل، احتفل هو ضاحكاً بما ظنه مزحة. ولكنها لم تكن مزحة، لأني أشعر بذلك فعلاً. وأشك في أنه يمكن لكثيرين من أهالي ليديا أن ينافسوني. في إحدى الليالي ـ وكنت مخموراً ـ ومن أجل التقصي فقط، استدعيت أطلس إلى حجرتي، وهو أفضل العبيد الحبشيين تحت السلاح. وطلبت من لوكريثيا أن تنحني أمامه وأمرته بأن يمتطيها. لم يستطع ذلك، ربما بسبب الرهبة التي اعترته في حضوري أو لأن الأمر كان تحدياً يفوق قواه. رأيته يتقدم عدة مرات، حاسماً أمره، يندفع، يلهث، ثم يتراجع مهزوماً (وبما أن تلك الواقعة صارت تعذب ذاكرة لوكريثيا، فقد أمرت بقطع رأس أطلس).

الواقع أنني أحب الملكة، فكل ما في زوجتي عذب وحساس، على خلاف روعة ردفها الوافر، يداها وقدماها، خصرها وفمها. لها أنف راعش وعينان ناعستان، ماؤهما ساكن بصورة سرية لا يهزه سوى اللذة أو الغضب. لقد درستها مثلما يفعل الحكماء بأوراق كتب المعبد، ومع أنني أظن أنني أعرفها عن ظهر قلب، فإنني أكتشف في كل يوم ـ أو بكلمة أصح، في كل ليلة ـ ، شيئاً جديداً فيها يؤثر بي: خط الكتفين الناعم، عظمة المرفق الرشيقة، رقة ظاهر قدميها، استدارة ركبتيها والشفافية الزرقاء لغابة إبطيها.

هناك من يملون زوجتهم الشرعية بسرعة. ويفلسفون الأمر بأن روتين الزواج يقتل الشهوة، وأنه لا يمكن للخيال أن يدوم ويهيج أوردة الرجل الذي يضاجع المرأة نفسها على امتداد شهور وسنوات. أما أنا، وعلى الرغم من السنوات التي انقضت على زواجنا، فإن سيدتي لوكريثيا لم تملني. ولم تضجر مني مطلقاً. فعندما أذهب لصيد النمر أو الفيل، أو حين أخرج إلى الحرب، تسرّع ذكراها قلبي مثلما كان يحدث في الأيام الأولى، وحين أداعب إحدى الجاريات أو أية امرأة لأشغل وحدتي في ليالي خيمة الحملة الحربية، تحس يداي على الدوام بخيبة محزنة، فما ألمسه يكاد لا يكون سوى مؤخرات، إليات، أكفال، أطياز. وهي حدها ـ آه، حبيبتي ـ الردف. ولهذا يبقى قلبي وفياً لها، ولهذا أبها. ولهذا أنظم لها قصائد أرتلها في مسمعها وأنبطح أرضاً حين نكون وحدنا لأقبل قدميها. ولهذا ملأت صناديق حليّها وكل خزائنها أوصيت لها من كل أركان العالم على هذه الأحذية والملابس والزينات التي لن تنتهي من تدشينها أبداً. ولهذا أعني بها وأوقرها باعتبارها ألذ ممتلكات مملكتي. فالحياة بالنسبة إلي هي موت دون لوكريثيا.

القصة الحقيقية لما حدث مع حارسي ووزيري جيجس لا تشبه كثيراً التقولات التي تشاع عن الواقعة. وليست هناك رواية واحدة مما سمعته تقارب الحقيقة. والأمر يجري هكذا على الدوام، فمع أن للخيالي والحقيقي القلب نفسه، إلا أن وجهيهما مثل الليل والنهار، مثل النار والماء. لم يكن هناك رهان أو مقايضة من أي نوع، وكل شيء جرى بصورة مرتجلة، بفعلة تلقائية مفاجئة من جانبي... مجرد صدفة أو مكيدة من إله صغير لعوب.

كنا قد حضرنا احتفالا لانهائياً في ميدان مجاور للقصر، حيث جاءت القبائل الخاضعة لتقدم أتاواتها وهي تصم مسامعنا بأغنياتها الهمجية وتعمي أبصارنا بالغبار الذي تثيره بهلوانيات فرسانها. ورأينا كذلك اثنين من هؤلاء المشعوذين الذي يشفون الأمراض برماد الجثث، وقديساً يصلي وهو يلف ويدور على كبيعه، وقد كان هذا الأخير مؤثراً: ففي دورانه المندفع بقوة إيمانه وبالتمارين التنفسية التي ترافق رقصته ـ لهاث أبح متصاعد يبدو وكأنه يخرج من أعماقه ـ حول إلى دوامة بشرية، وفي لحظة معينة، أدت سرعة دورانه إلى اختفائه عن أبصارنا. وعندما تجسد ثانية وتوقف، كان يتعرق مثل الخيول بعد شن الغارة، وكان شحوبه ذاهلاً وعيناه زائغتين وكأنهما قد رأتا إلهاً أو عدة آلهة.

كنا نتحدث أنا ووزيري عن المشعوذين وعن ذلك القديس بينما نحن نتناول كأس نبيذ يوناني، عندما خفض جيجيس صوته فجأة ليهمس بشرارة الخبث تلك التي يودعها الشراب في نظراته:

ـ المصرية التي اشتريتها لها أفضل مؤخرة منحتها العناية الإلهية لامرأة على الإطلاق. الوجه غير مكتمل، والنهدان صغيران، وهي تتعرق بإفراط، ولكن ضخامة وسخاء مؤخرتها تعوض ـ وأكثر ـ عن كل عيوبها الأخرى. ما إن أتذكرها حتى يصيبني الدوار يا صاحب الجلالة.

ـ أرنى هذه المؤخرة وسأريك واحدة أخرى. فنقارن ونقرر أيهما أفضل يا جيجيس.

رأيته يضرب، يرمش ويفتح شفتيه دون أن يقول شيئاً. أتراه ظن بأنني أمزح؟ أتراه خشي أن يكون قد أساء سماع ما قلته؟ فحارسي ووزيري يعرف جيداً عمن أتكلم. وصغت ذلك السؤال دون تفكير، ولكنني بعد أن وجهته إليه، بدأت دودة عذبة تقرض دماغي وتسبب لي اللهفة.

ـ لقد أصابك البكم يا جيجيس. ما الذي جرى لك؟

ـ لست أدري ما أقول يا مولاي. إنني مرتبك.

ـ أرى ذلك. ولكن أجب، هل توافق على عرضي؟

ـ جلالتك تعلم أن رغباتكم هي رغباتي.

هكذا بدأ كل شيء. ذهبنا أولاً إلى منزله، وفي أقصى الحديقة، حيث توجد حمامات البخار، وبينما كنا نتعرق وكان مدلكه يعيد حيوية الشباب إلى أعضائنا، تفحصتُ تل المصرية، إنها امرأة طويلة القامة، ووجهها متضرر بتلك القروح التي يقدس بها أبناء جنسها الفتيات البالغات لإلههم الدموي. لقد خلّفت الشباب وراءها. ولكنني أقر بأنها كانت مشوقة وجذابة. فبشرتها الأبنوسية تلمح وسط سحب البخار وكأنها مطلية بالورنيش وكل حركاتها وتصرفاتها تكشف عن تكبر استثنائي. لم يكن فيها أي أثر من ذلك التذلل الدنيء الذي تبديه الجاريات بكثرة لنيل ودّ أسيادهن، بل كانت أقرب إلى البرودة المتأنقة. ولم تكن تفهم لغتنا ولكنها كانت تفهم على الفور التعليمات التي يصدرها إليها سيدها بالإشارة. وعندما أشار عليها جيجيس بما نريد أن نراه، أحاطتنا كلينا لثوان بنظرتها الحريرية المزدرية، ودارت نصف دورة، وانحنت ثم رفعت عباءتها بكلتا يديها، مقدمة لنا عالمها الخلفي. كانت باهرة بالفعل، بل وإعجازية لمن ليس هو زوج الملكة لوكريثيا. أجل، إنها صلبة ومكورة. ذات انناءات ناعمة وبشرة جرداء وحبيبية، تشع بريقاً أزرق، ينزلق عليها البصر مثلما ينزلق على مرأى البحر. هنأتها وهنأت كذلك حارسي ووزيري لأنه مالك مثل هذه اللذة الحلوة.

ولكي أنجز الجزء المتعلق بي من العرض، كان علينا أن نتصرف بأقصى قدر من الحذر. فتلك الحادثة القديمة مع العبد أطلس شكلت صدمة عميقة لامرأتي، وقد قلت هذا من قبل؛ إذ أنها وافقت عليها لأن لوكريثيا تلبي كل نزواتي. ولكنني رأيتها خجلة جداً بينما كانت هي وأطلس يمثلان دون جدوى المشهد الخيالي الذي نسجته، فأقسمت يومئذ بيني وبين نفسي ألا أخضعها ثانية إلى مثل تلك التجربة. وحتى الآن، وبعد مضي زمن طويل على تلك الحادثة، وحين لم يعد هناك من أطلس المسكين كما أظن سوى عظامه الجرداء في وهدة الجثث التي تغص بطيور الرخمة والنسور حيث ألقيت جثته، مازالت الملكة تستيقظ أحياناً في الليل، وتفز قلقة إلى ذراعي، ذلك أن شبح الحبشي يكون قد عاد يلتهب فوقها في الحلم.

وهكذا، فقد تصرفت في هذه المرة دون أن تعرف محبوبتي بالأمر. أو هذه كانت نيتي على الأقل، مع أن الشك يراودني في ذلك أحياناً حين أفكر متروياً بما حدث في تلك الليلة وأقلبه في ثنايا ذاكرتي.

أدخلت جيجي من بوابة الحديثة الخلفية ثم أدخلته الحجرة بينما الوصيفات يعرين لوكريثيا ويعطرنها بالعطور التي أحب شمها وتذوقها على جسدها. أشرت على وزيري أن يختبئ وراء ستارة الشرقة وأن يحاول عدم التحرك أو إصدار أدنى صوت. ومن ذلك الركن، يمكنه أن يرى تماماً السرير البديع ذا الأعمدة المزخرفة والدرجات والستائر الحمراء، والمثقل بالوسائد والحرائر الثمينة المطرزة، حيث نمارس أنا والملكة كل ليلة لقاءاتنا الغرامية، وأطفأت كل المشاعل بحيث تبقى الغرفة خافتة الإضاءة من ألسنة لهب المشاعل التي في البيت.

بعد قليل دخلت لوكريثيا ترفل بعباءة فضفاضة شفافة من الحرير الأبيض، ذات زركشات مخرمة على المعصمين والعنق ومحيط الذيل. وكان تضع عقداً من اللؤلؤ وغطاء رأس وتنتعل خفاً عالي الكعب من الخشب واللبد.

أبقيتها واقفة لبعض الوقت، أتأملها بإعجاب بعيني وأهدي إلى وزيري هذا المشهد الذي يليق بالآلهة. وبينما أنا أتأملها وأفكر في أن جيجيس يفعل ذلك أيضاً، أججني فجأة بالشهوة هذا التواطؤ الخبيث الذي يوحدنا. فتقدمت نحوها دون أن أنطلق بكلمة واحدة، وطرحتها على الفراش وامتطيتها. وبينما أنا أداعبها، بدا لي وجه جيجيس الملتحي، فزادت من التهابي فكرة أنه يرانا. ورشت على لذتي بهاراً حلواً وحامضاً ولاذعاً كنت أجهله حتى ذلك الحين. وماذا عنها هي؟ أتراها لاحظت شيئاً؟ هل عرفت شيئاً؟ لأنني لم أرها من قبل أبداً بمثل ذلك الاندفاع، ولم أرها مطلقاً بمثل تلك الشراهة في المبادرة والاستجابة، وبمثل تلك الجسارة في العض والتقبيل والعناق. أتراها هجست في تلك الليلة بأننا من كنا نستمتع في الغرفة المصبوغة بحمرة القنديل والشهوة لم نكن اثنين وإنما ثلاثة.

وعند الفجر، حين استغرقت لوكريثيا في النوم، تسللت من السرير على رؤوس أصابعي، لكي أقود حارسي ووزيري إلى مخرج الحديقة، فوجدته يرتجف من البرد والذهول.

تلعثم متهيجاً ومرتعشاً:

ـ أنت محق يا صاحب الجلالة، لقد رأيتها، وهي رائعة بصورة لا أستطيع تصديقها. لقد رأيتها ومازلت أظن أنني في حلم.

فأمرته:

ـ انس كل شيء بأسرع ما يمكن وإلى الأبد يا جيجيس. لقد أنعمت عليك بهذا الامتياز في لحظة تسرع غريبة، ودون تفكير وتروٍ، لأنني أقدرك كثيراُ. ولكن، حذار من لسانك، فأنا لا أحب أن تتحول هذه القصة إلى حديث الحانات وتقولات السوق، لأني قد أندم على أنني أحضرتك إلى هنا.

أقسم لي أنه لن ينطق بكلمة واحدة. ولكنه فعل ذلك. وإلا كيف دارت كل تلك الأحاديث عما حدث؟ الروايات تتناقض، وكل واحدة منها أكثر شططاً وزيفاً من الأخرى. إنها تصل إليها، وإن كنا نغضب بسببها في البداية، فإننا نتسلى بها الآن. لقد تحول الأمر إلى جزء من هذه المملكة الجنوبية، في هذه البلاد التي سيصبح اسمها تركية بعد قرون، مثل جبالها القاحلة ورعاياها الأفظاظ، مثل قبائلها المتنقلة، ونسورها ودببتها، ولا تسؤوني في نهاية المطاف فكرة أنه بعد مرور الزمان، وابتلاعه كل ما هو موجود ومحيط بي الآن، لن يبقى للأجيال القادمة في تاريخ ليديا، سوى ردف زوجتي لوكريثيا الشمسي والسخي كالربيع.

الاثنين، 26 سبتمبر، 2016

غاستون باشلار والمترجمون العرب*

ترجمة : سعيد بوخليط


يبدو بأن الافتتان بترجمة أعمال غاستون باشلار قد تضاءل مع سقوط الماركسية وتواري الوضعية، مسألة لا تقود بالتأكيد إلى غياب الاهتمام بفلسفة باشلار ما دام أن قوتها لازالت تسم التأمل الفلسفي والنقد الأدبي. بالتأكيد نبتهج لرؤية بعض مُؤلفات باشلار وقد ترجمت إلى العربية حيث يسرنا هذا الإشعاع العالمي لفلسفته.
لكن حينما ندرس قيمة هذه الترجمات، تثيرنا وقاحتها وكذا تشدقها بحيث لا تُشرّف بأي حال من الأحوال ذاكرة باشلار ولا تمكن اللغة العربية من التجدد. مع بعض الاستثناءات النادرة، فإن الترجمة التي يجب أن تكون حوارا للثقافات تتحول إلى عملية تجارية وميركانتيلية، وتصبح عملية فردية لا تخضع لا للمراجعة أو التدقيق حيث يسود التعسف والوهم.
تتأتى الصعوبة من الخاصية التجريبية لنصوص باشلار ، هل بإمكاننا ترجمة نص يبتغي كتابة فلسفية جديدة؟  إذا أمكن ترجمته، فهو ليس بنص مستقل وبالتالي يخضع لقواعد محددة سالفا. على العكس من ذلك، إذا كان نصا مستقلا فإنه تتعذر ترجمته. بمعنى ثان، الترجمة تأسيس لخطاب مرموز خاضع لقواعد مكررة أو هي كتابة ثانية للنص، أي تكرار لما هو مختلف؟1.
الأطروحة التي أتوخى الدفاع عنها في هذه المداخلة، هو أن الترجمة إعادة كتابة للنص في أفق تمثل مجموعة من الأعمال تنتمي لثقافة أخرى اعتمادا على مؤسسات تستهدف ليس فقط استيعاب مؤلفات ثقافة أخرى ولكن تجديد لغة الترجمة.
هكذا يشكل التقليد الغربي في الترجمة ومراجعة الترجمات، مؤسسة حقيقية: (أوربا، وبخلاف الثقافات الأخرى المتمركزة على ذاتها هي في الأصل ومنذ البدء متعددة الثقافات. ظلت تترجم باستمرار، بداية لما هو متوسطي إلى روما الهلينية ثم القرن الوسيط أو مرور أرسطو من السريانية إلى العربية قبل أن تتم قراءته في اللاتينية خلال القرن السادس عشر، حيث أنجز "Calepin" قاموسا كانت طبعته الأخيرة بإحدى عشر لغة. أوربا، ومنذ بدايتها ومع تقلباتها لم تتوقف عن الترجمة، من المقدس إلى الدنيوي ومن اللاتينية إلى اللغات المبتذلة، ثم اللغات المحلية فيما بينها)2.
للترجمة علاقة بالثقافي والسياسي. كل ثقافة تستند على لغة وكل لغة مهيمنة ترتبط بوجود دولة. أحادية اللغة مثل الدولة الوطنية في أوربا على الأقل، أوجدت ذاتها من خلال استبعاد الآخر. لذلك، فإن الترجمة تداخل في الآن ذاته للتاريخي والثقافي ثم السياسي. من خلال موقع المترجم وطرقه في الترجمة، يتأتى كذلك وضع ثقافة حيال أخرى تظهر من خلالها3.
تكلم "كوردوني" "Cordonnier" عن "المذهب العربي" في الترجمة مرتكزا على تحليلات "فرني" "Vernet"، مؤكدا بأن الترجمة ليست فقط مؤسسة ولكن سبيلا إلى استيعاب الإرث اليوناني والذي ساعد على تأسيس إحدى روافد الحضارة العربية الإسلامية.
لقد انتقل المترجم العربي من الترجمة الحرفية إلى ترجمة المعنى. لكن المهم، هو طرق الترجمة التي عرفتها هذه الحقبة. لم تكن الحاجة للعودة إلى الأصل اليوناني، بل يكفي الانطلاق من الترجمة السريانية، لأنه لم يكن بالامكان الوصول مباشرة إلى النصوص اليونانية. كانت الترجمة عملا متعدد الاختصاصات، يتوحد داخله "المساعد" والمترجم الرسمي وأخيرا الكاتب. كتب "كوردني :(فيما يخص أوجه الترجمة، تُطرح مسألة سلسلة الاشتغال ابتداء من التوصية إلى نهاية المنتوج (...) في الغالب حينما يكون لدى المترجم عملا كثيرا، يمكنه الانتقال إلى مترجم أقل كفاءة. بالتالي، فإن هذه الترجمة الأولى التي ينجزها كاتب "مساعد" يمكنها أحيانا، أن تُنقّح من قبل المترجم الرسمي. ثم يعطي الناشر الترجمة الثانية إلى كاتب لكي يتدخل على مستوى الأسلوب)4. المترجمون الأوروبيون وظفوا نفس الطرق بمجهود حقيقي وذلك لمقابلة الترجمة بالنص الأصلي. المثير، هو أن نفس الطرق تستعمل اليوم من أجل ترجمة أعمال باشلار ، لكن مع اختلاف انعدام أي مقياس مشترك بين مترجمي أمس واليوم.
إذا قامت الحضارة العربية في القرن الوسيط على الترجمة، فذلك لأن الترجمة كانت مُنظمّة رسميا. يقول:"إبراهيم مدكور" متحدثا عن قيمة الترجمات العربية لأعمال أرسطو حينما كانت الترجمة مُؤسسة حقيقية:(إذا تركنا جانب المثابرة، وكذا الخاصيات الأخلاقية ثم المعارف الواسعة جدا للمترجمين المسلمين، يمكن أن نلاحظ بأنهم أقاموا مهمتهم بمنهجية علمية خالصة. ذلك أن نفس النص تتم ترجمته لمرات عديدة ومن قبل كُتاب مُختلفين انطلاقا من مرجعيات كثيرة. كما يتم كذلك تصحيح وإعادة النظر فيما تُرجم بسرعة أو من طرف أشخاص أقل كفاءة. بعض الأرقام ذات دلالة: ثلاثة وعشرون شخصا أكثر من نصفهم يعرفون اليونانية، تكلفوا بترجمة أو إعادة ترجمة أرسطو، وقد أعطى ذلك ثمانية وثمانين ترجمة لعشرين عملا أرسطيا تعرّف عليها العالم العربي أي بمعدل أربعة ترجمات لكل عمل (...) مختلف الترجمات التي تُعطى لنص ما، هي فوق ذلك دراسات مقارنة ومراجعات دقيقة)5. إنه زمان تعدد اللغات والموسوعية تم مراكز الترجمة في "الإسكندرية" "وجديسابور" ثم "حران" حيث حظي المترجمون بعناية الخلفاء: كانت الترجمات في هذه الفترة تباع بثمن غال.
ليست الترجمة بالقضية الواهية، وبالتالي ليست في مُتناول الجميع. العلماء العرب اللذين ترجموا النصوص اليونانية لم يحسدوا بأي معنى علماء اليونان، بل سعوا إعطاء اللغة العربية مفاهيم جديدة، ومناهج أخرى في التنظيم. وهو ما سيمكن تبعا لذلك من تطوير الفكر اليوناني في استنتاجاته ووضعه موضع تساؤل. 
اليوم، وعلى العكس من ذلك، يعتقد المترجمون العرب بوقاحة مطلقة إمكانية ترجمة النص الباشلاري. لا يتعلق الأمر ب الخائنة الجميلة "ل" " Gille Menage"، ولا مجرد تأويل بسيط للنص، إنه اختلال حقيقي. بالتأكيد المترجم مُهرب، لكن ما يهم ليس فقط العبور، لكن كذلك حالة ما ننقله من الجانب إلى اللغة الثانية6.
يمكن أن نأخذ كمثال ترجمة:"La formation de l'esprit scientifique" لأحمد خليل أحمد7، الذي يقدم نفسه كأستاذ للسوسيولوجيا بالجامعة اللبنانية، وقد استفادت ترجمته من طبعات متعددة، منذ خطاب المقدمة نحس بأنه يخلط بين الإخبار الذي يرتكز على إعطاء الصيغة ثم الإخبار كإبلاغ، الاهتمام بمعنى الاستفادة ثم الاهتمام بمعنى الانتباه الذي نحمله إلى شيء ما، سيخلط كذلك بين العقل كملكة والعقل كاستدلال. وحينما توخى ترجمة:"إن رأسا مُحكما هو للأسف رأسا مُغلقا". فهو اعتبر بأن رأسا محكما، رأسا مصنوعا. ثم تتواصل بعد ذلك الالتباسات وتتعدد. يأخذ السالف كنقيض والنظرية كعقيدة، كما أنه لا يفرق بين المعنى والفكرة والمفهوم إضافة إلى كونه يختزل الجسم الذي يطفو إلى جسم يظهر.
من أجل ترجمة باشلار يجب أن تكون في مستوى أهمية باشلار وإلا من الأفضل قراءة النص في لغته الأصلية. لذلك يحتاج إلى عمل متعدد الاختصاصات يجمع بين المستعرب والفيلسوف ثم الشاعر... . فليس هناك من صفحة في هذا العمل إلا وتستوجب التصحيح أو إعادة الكتابة.
كما تعاني هذه الترجمة من غياب لكل تعليق. إذا كان التعليق خصوصا لنصوص أجنبية يحتاج إلى ترجمة، فإن الترجمة الجيدة تحتاج إلى تعليق: وحده ذلك الذي يحسن تأويل نص، بإمكانه تناول المعنى الحقيقي للنص.
المثال الثاني في ترجمة أعمال باشلار يقترحه:"بسام هاشم" لكتاب:"Le rationalisme appliqué"8، معتقدا بأن اللغة العربية عاجزة عن تمثل الأفكار الجديدة التي جاء بها باشلار ، فإنه يقترح معجما لفظيا شاقا حوّل النص الباشلاري إلى شيء غير مقروء كليا.
لذلك من أجل فهم الترجمة العربية، يتحتم وضع النص الفرنسي تحت الأعين. بما أن الترجمة طرس "Palimpseste" فإن ما تظهره هو نظرية لغة المُترجم. واللغة بالنسبة إليه مجرد أداة تقنية. إذا عالجت موضوعا علميا، يمكننا تعويض أداة بأخرى من تم اختفى كل المظهر الشعري للنص. لما استشهد ببعض التفسيرات الخاطئة المرتكبة، لقد أفسد النص بكلام مُفخّم ومُضلّل، إنها ترجمة كلمة بكلمة وليست ترجمة نص، أي ترجمة للغة وليس للنص ناسيا بأن:"الترجمات هي أعمال، كتابة. وتدخل في عداد الأعمال". ليست الترجمة فقط عملا احترافيا، ولكن إعادة كتابة للنص في ارتباط مع اللغة المترجم إليها، وليست مجرد انتقال حيث تهيمن عمليتي النسخ والمعجمية. إنها كتابة ثانية للنص من أجل البحث عن الطبيعي وتكييف النص مع اللغة الجديدة.
وكما بيّن "جون براون" في كتابه: "l'homme et le langage " فإن اللغة:(ليست بمسدس للحاجة، ولا مفتاح علب، تستعمل الكلمات والمفاهيم ذات المعنى الواحد، دون أن يكون لها اشتقاقا أو صدى حُلميا وكذا موسيقى شعرية للكلمات والأشياء. كلمات تشبه حصى مستهلكا، حملته أمواج البحر إلى ضفاف العالم بعد أن مسحت كل الأشكال التي أخذها في الأعماق)9. على العكس بالنسبة لجون براون، فإن الكلمة تشبه مونادا "la monade" ليبنيتز: إنها تغطس في العمق التحت-أرضي المتضمن لتاريخها والذي اكتسبت من خلاله جميع الاستجابات وكذا الاختلافات.
بالرغم من استعمال هذا المُعجم فإن المُترجم لم يستطيع تجنُب التفسيرات الخاطئة، لأن ما يجب ترجمته هو النص ولا يتعلق الأمر بمعجم ننقله إلى لغة أخرى. عبر هذا الأسلوب الطنان المُضلل وكذا التفسيرات الخاطئة المتعددة، فقد تم تشويه الخاصية الشعرية للنص. يبدو بأن المُترجم يبحث عن نص ثان، والحال أن مفارقة الثنائي منذ أفلاطون أظهرت لنا، أنه بحكم تقليد المتفرد نمر كذلك إلى الآخر. الدقة ليست وفاء، وإنتاج الثنائي مسألة مستحيلة. المختلف هو الذي يتشابه.
النصوص المُحلّلة من قبل، تبين بأن ترجمة بعض أعمال باشلار ، تميزت إما بتفخيم للأسلوب أو الوقاحة، الشيء الذي لم يمكن من تجديد اللغة العربية بإدخال بنيات أخرى لها، ولا من تيسير ولوج النص الباشلاري.
كيف هو الحال مع النصوص الشعرية؟ الوضعية ليست بالأحسن. حينما ندرس الترجمة التي اقترحها "هلسا غالب" ل: "la poétique de l'espace"10 فإننا سنفهم بأن ترجم معناه خان بشكل مضاعف. فالسيد هلسا لا يعرف الفرنسية، لكنه لم يتردد في ترجمة الكتاب انطلاقا من الإنجليزية. لا أعرف كيف ستصبح الفرنسية حينما تُترجم إلى الإنجليزية، لكن الترجمة العربية ل "شعرية المكان" مقاربة باهتة وهيكل منهك. يجب القول، أن ما يهم "هلسا" ليس الترجمة ولكن المنهجية التي دشنها باشلار ، حيث اعتبرها خصبة من أجل دراسة الفضاء في القصيدة العربية التي لم تتوقف عن التغني بأطلال المنزل المعشوق. ما دام النص فضول يجب الوقوف عليه، أليس من الضروري أن يكون في مستوى واجباته كمترجم!.
هكذا يظهر مثلا بأن كلمة "Vaste"، ترجمها انطلاقا من الكلمة الإنجليزية "Wide" في حين أنه بالنسبة لباشلار:(الصائت(a) في كلمة "Vaste" يحتفظ بكل خاصياته الصوتية التضخيمية. إذا أخذنا هذه الكلمة صوتيا فإنها ليست فقط امتدادية. بل تحصل مثل مادة لينة على كل القوى البلسمية للسكون اللامتناهي. من خلالها فإن اللانهائي يدخل إلى صدرنا ونتنفس بها كونيا، بعيدا عن الأحزان الإنسانية)11. وباشلار الذي يتخيل نفسه طبيبا نفسيا ينصح المريض الذي يعاني الضيق:(بأن يقول بهدوء الكلمة البودليرية المهيمنة:"Vaste" التي تعطي السكينة والوحدة وتفتح فضاء، فضاء اللانهائي)12.
وفي صورة "Petit poucet" حيث البحث عن إقامة في مأوى "الدب الأكبر"، يبدو بأن الصدى الذي توخاه باشلار قد ضاع. مقطع "Petit poucet"، ترجم بشكل سيء. فالأمر لا يتعلق هنا بالتنجيم ولكن بالبحث حقا عن مأوى ومنزل في السماء. كان على المترجم أن يدرك ذلك من خلال تتمة النص، ولكن بما أنه يترجم من الإنجليزية، فلا يمكنه تجنب اتباع المترجم الأول.
لست في حاجة للتأكيد على النقد الباشلاري لهندسية الوجود-هنا والذي يحتم لغة جديدة، لغة شعرية. والحال، أنه لا يمكننا ترجمة لغة شعرية بشكل صحيح دون أن نكون أنفسنا شعراء. كتاب باشلار ليس مجموع وصفات نطبقها من أجل تأويل الوثائق الشعرية بل هو تأمل في العلاقة بين اللغة والوجود.
ترجمة "غالب هلسا" بعيدة على أن تكون كتابة ثانية للنص. إنها مجموعة وصفات بالنسبة للنقد الأدبي الذي يتوخى دراسة "المكان" في الأدب العربي. إلا أن هذه البرغماتية لم تحمل شيئا إلى اللغة العربية. علّة من أجل سلب باشلار Bachelard دون الاستشهاد به، وكما لاحظ "Margaret Thomarchio":(يحتفظ المؤلف بكامل الحقوق على عمله، المترجم كوسيط بين الكاتب وجمهوره عليه خاصة واجبات. وهي الواجبات التي يبلورها ليس فقط بإدخال كفاءاته اللسانية، ولكن كذلك معارفه الدقيقة والأساسية بثقافة وعمل الكاتب... يتعلق الأمر حقا في نهاية المطاف، وفيما وراء كل القضايا التقنية والمنهجية بقضية أخلاقية على المترجم أن يكون مدركا لذلك)13.
إذا أخذنا ترجمة:"la poétique de la rêverie" كما أنجزها "جورج سعد"14 فلن نكون أقل إحباطا. بالنسبة إليه كل شيء قابل للترجمة، لا تردد ولا شك.
يمر بصمت على الاستشهادات الموضُوعة على رأس الفصل، كما أن ترتيب الفقرات قد تغير، التفسيرات الخاطئة تتعدد. النهر تم اختزاله إلى مجرى ماء، بينما تحول حلم اليقظة la rêverie إلى تأمل شارد. في حين كان باشلار  مترجما دقيقا لم يتردد في ترك بعض القصائد في لغتها الأصلية، فإن "جورج سعد" لم يجد أية صعوبة في ترجمة كل النصوص الشعرية. باشلار الذي انتقد دائما عائق الوضوح عند المترجمين الفرنسيين، يورد القصائد من الإنجليزية والألمانية دون ترجمة هكذا يقول:(من غير الإمكان ترجمة طاقة لغة مثلها في ذلك مثل شعرها)15. لذلك رفض ترجمة بعض مقاطع "نيتشه" أو "شيلي". كتب نيتشه:
Jetzt Bin ich leicht, jetzt fliege ich, jetzt sehe ich mich unter mir, jetzt tanzt ein Gott durch mich16.
وسيلاحظ باشلار Bachelard :(لن نترجم هذه السطور، لأننا لم نجد الكلمة التي تعبر عن الطاقة والسعادة الفورية ل"Jetzt". أيُّ سوء حظ هذا يحرم اللغة الفرنسية من كلمات أساسية بالنسبة لسيكولوجيا اللحظة)17.
من خلال ترجمة "لويس غازاميان" لمقطعين شعريين للمشهد الثاني، في الفصل الثاني من: "Prométhée délivré" لصاحبها "شيلي" فإن باشلار سينتقد:"خطيئة الوضوح المتواترة جدا في الترجمات الفرنسية". مؤكدا بأن للقصيدة لغزها الذي لا يأخذ في الاعتبار نظام الأسباب والنتائج. كما أن حركة الأحلام لا يوقفها منطق النحو.
بتركيزنا على ملاحظات باشلار ، سعيت إلى رؤية كيف يترجم المترجم العربي جملة ج.ب. ريشتر:
Dass der innere himmele den aussern, der selten einer ist, erstatte, reflektiere, verbaue18.
بالنسبة لباشلار ، فإن الترجمة الفرنسية أضعفت النص. كلمة "verbaue" لم تترجم، في حين أنها كلمة "التحول المطلق". لقد مر المترجم العربي بصمت على كل هذه الملاحظات مكتفيا بالترجمة الفرنسية الضعيفة:(السماء الداخلية تستعيد وتعكس السماء الخارجية والتي ليست واحدة)19.
لكي تكون مترجما لشعرية باشلار ، يجب أن تكون لك ثقافة باشلار والتي تشمل في الآن ذاته الآداب الفرنسية والألمانية والإنجليزية إضافة إلى النصوص الكبرى سواء الفلسفية أو تلك المنتمية إلى التحليل النفسي.
حسب تقليد عربي يمتد إلى "الجاحظ"، فإن مترجما جيدا من الضروري أن تكون له نفس ثقافة الكاتب ثم معرفة عميقة باللغتين اللغة الأصل ثم اللغة الثانية. غير أنه لا شخص بإمكانه التوفر على معرفة ممتازة باللغتين: فلابد للواحدة أن تسود الأخرى. 
اليوم ومع التعددية الثقافية، فإن اللغة تحتاج إلى إدخال بنيات جديدة وتمثل كلمات أخرى. ليس هناك من لغة خالصة، رهان الترجمة هو وجهة نظرنا في اللغة وشعريتها. لقد عانت اللغة العربية من قداسة حالت بينها وبين الانفتاح على العالم. إلا أن هذا الانفتاح لا يعني افتقادها لروحها.
إنه التحدي الذي رفعه "عادل العوا" من خلال ترجمته مُؤلف:
"Le nouvel esprit scientifique" والذي راجعه "عبد الدايم". أخيرا، نتوفر على نص قابل للقراءة مع مجهود حقيقي في تكييف التركيب العربي مع أفكار باشلار الجديدة. إنها ترجمة تشرف ذكرى باشلار ، بالتأكيد يمكننا مناقشة هذا التأويل أو ذاك للنص الباشلاري، ثم اختيار هذه اللفظة العربية أو تلك من أجل ترجمة مفهوم ما للغة الفرنسية. لكنها ترجمة جيدة وفية للنص دون كثير من الاختلالات. فهي ثمرة عمل جماعي لا يرغب فقط في إصدار مجرد ترجمة تقريبية. ومما لا شك فيه أن اللغة العربية ستصطدم بمجموعة من الصيغ مثل "فلسفة لماذا لا" أو "البنية النومنية" لكنها ستتمكن من إدماجها دون خسائر كثيرة.
يمكننا التمييز حسب "غوتة" بين الترجمة التي تخبر والترجمة التي تعيد كتابة النص ثم الترجمة التي تبدع ثانية خاصية النص الاصلي20. ترجمة "عادل العوا" تعيد كتابة النص الأصلي داخل اللغة العربية فهي ليست ترجمة حرفية كما أنها تحترم أساليب اللغة الأصلية، وتبحث عن تقديم الأفكار الجديدة في الصيغة التي تناسبها داخل اللغة العربية. وتوفق في الآن نفسه بين جمال الأسلوب والوفاء للنص بذلك تشكل مثالا جيدا عن تواصل اللغات وكذا التثاقف. ما تبلور في هذه الترجمة ليس النص الباشلاري، ولكن قدرة اللغة العربية على حمل أفكار باشلار الجديدة وإظهار أسلوبه الشعري.
منذ "مونتسكيو"، لم نتوقف عن انتقاد المترجمين من خلال النظر إليهم كأشخاص يتكلمون من أجل الآخرين ولا يفكرون لذاتهم:(الترجمات مثل نقود نحاسية لها في الواقع نفس قيمة قطعة الذهب، بل وتستعمل بشكل كبير من قبل الشعب إلا أنها دائما ضعيفة ومن عيار زائف)21. إلا أن ترجمة "عادل العوا" ليست مجرد ترجمة، بل هي كتابة ثانية للنص.
تبقى الترجمة في عصر العولمة وسيلة فعالة من أجل تطوير بنيات لغة ما، وإغنائها بدلالات جديدة ثم الانفتاح على شعرية جديدة. باختصار، تحقيق تثاقف حيث الأنا والآخر يتوافقان. لذلك، فإن نشاط الترجمة كعمل ثقافي من الضروري تنظيمه رسميا بحيث أن التصحيح والتقويم وإعادة الترجمة، يصبحون ضرورة ملحة بحيث أن كل ترجمة ثانية هي وجهة نظر تاريخية في اللغة.
تستهدف الترجمة إعادة كتابة النص داخل لغة جديدة، والحال أن تكتب حسب باشلار هو:(التفكير في الكلمات والإنصات إليها في كل رنينها)22. التفكير، تأمل في الكلمات، وهو التأمل الذي يوقظ الفكر، ينعشه ويعيد له فتوته:(من المؤكد أن نجد نسقا فلسفيا حينما نتأمل كلمة)23 يضيف باشلار. من أجل الترجمة، يتحتم كتابة النص ثانية. الترجمة شعرية بالضرورة أي لها وجهة نظر في اللغة، مجهود من أجل استعادة ما تصنعه الكلمات ولا تقوله.
أن نترجم، معناه تحقيق ومن خلال انمحاء للمترجم، للتوازن الصعب بين قطبين متعارضين: اللغة الأصل واللغة الهدف، الشكل والمعنى، الوفاء للنص وكذا جمالية التكييف. وخاصة:(تجنب النقيضان، اللذان يسقط فيهما كل من يترجم: الأول حرية تنحل إلى جرأة... والثاني إذعان يتحول إلى عبودية).

هوامش:
*- نص المداخلة التي ألقاها الباحث التونسي رضا عزوز، أمام المشاركين في الندوة الدولية التي انعقدت بمدينة "ديجون" "Dijon"  الفرنسية ما بين 24/25/26 أكتوبر 2002. ساهم في عروض هذه الندوة كل من:"معهد غاستون باشلار للأبحاث في المتخيل والعقلانية" التابع لجامعة بورغون bourgogne و"جمعية أصدقاء غاستون باشلار ". وقد توخت مقاربة موضوع:  غاستون باشلار والكتابة.  
1- إشكالية أثارها "ميشيل ريمي" في "Palimpseste"، من أجل مسألة ترجمة النصوص السوريالية، ص: 109.
2- Henri Meschonnic. La poétique du traduire, édition Verdier 1999, p.34.
3- J. L Cordonnier: Traduction et Culture, édition Didier 1995, p. 11.
4- Op. cit., p. 67.
5- Ibrahim Madkour: L'organon d'Aristote dans le monde Arabe, p. 40-41, Vrin édition 1969.
6- Henri Meschonnic,  La poétique du traduire, p. 17.
7- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1981.
8- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1983.
9- Jean Brun: L'homme et le langage, PUF 1985, p. 56.
10-المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1984.
11- La poétique de l'espace, p. 180.
12- Ibid, p. 179.
13- Palimpseste, Traduction, Adaptation, p. 87.
14- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1991.
15- L'air et les Songes, p. 167.  
16- Ibid, p. 166.
17- Ibid, p. 166.
18- La poétique de l'espace, p. 172.
19- La poétique de la rêverie, p. 172.
20- La poétique du traduire, p. 91.
21- Lettres Persanes, p. 222.
22- Le droit de rêver, p. 184.
23- Le droit de rêver, p. 184.

غاستون باشلار «كما هو»[1]

ترجمة : سعيد بوخليط


اسمحوا لي أن أستشهد «بوثيقة قديمة» في شكل حوار أجريته مع غاستون باشلار يوم 8 ماي 1951 (في أخبار الأدب الأسبوعية «Opéra» التي يديرها "Roger Nimier") –بخصوص وسيلة إعلامية تطورت كثيرا في تلك الفترة، الأمر يتعلق بالمذياع، وقيمته بالنسبة للفيلسوف- حيث يعطيه النبرة الحقيقية لفعله وحضوره. اقترحت عليه التفكير بصوت مرتفع في التقنية الأكثر تطورا، والتي لم تستخدم أبدا لصالح الكلام، وقد طبعت الحقبة باعتبارها «موضة».
يداه تداعب لحيته، والتي تشبه لحية موسى. كلام متقطع حسب ترددات ومنعطفات فكر يتجلى في أشكال متعددة، ويجيب عن طيب خاطر.
غاستون باشلار: نعم حينما يكون لدي الوقت، أستمع للمذياع: بابلوكازال Pablo casal والأخبار. هذا يعني، أن قضية المذياع تهمني حتى ولو لم أكن مستمعا. لنصنف الأسئلة.
لكن أعترف أولا، بأنني عاينت ميلاد تقنية اللاسلكي حوالي 1913، قبل أن أصبح فيلسوفا. وقد كنت على وشك، أن أصير مهندسا في "P.T.T". لقد تأثرت دائما بالتطورات التي ميزت سيرورة هذه التقنية. وأعتبر بأننا قد وصلنا اليوم إلى ما يشبه الكمال.
هل بإمكانكم أن تخبروني (فجأة يوجه إلي السؤال) عن نوعية الانطباعات التي يثيرها فيكم، موقعكم داخل جهاز المذياع ؟
أندري بارينو: (حيرة ! يستدير الحوار نحو ارتباكي، ولكن لا يمكنني السقوط تحت أنظار أستاذ بالسوربون).
آه حسنا! هل أقول، بأن التأكد من قدرة أسلوبي على وضع فوري لمخطط من اختياري. ذكرى بعض اللحظات حيث سمعت فجأة موسيقى أو كلاما أو صوتا، كل ذلك قد يثير انتباهي، وبالتالي أنفعل وأتأثر. 
غاستون باشلار: لقد نسيتم الأهم. الاندهاش أخيرا، هاهو جهاز باعتباره تقنية قائمة داخل نظام عقلاني وعلمي واجتماعي وكذا فلسفي: أصغر حجما، وبثمن بخس ثم حالة مسيرة شبه مستمرة. إنه ربما الأكثر سهولة من بين كل إبداعات التقنية المعاصرة، يحمل لكم أكثر. وهو يراسلك، يقتضي منك أدنى انتباه ومجهود واهتمام، ولا تبدؤوا بالاندهاش! لكن هل من المثير، أن لا تندهش أبدا ؟
أندري بارينو: أعتقد بأنه في عالمنا، والمشيد اصطناعيا تقريبا من قبل الإنسان، وحيث الإنسان يعتقله الإنسان، نجد من الطبيعي أن نعيش ونستعمل تقنيات، بمثابة غذاء مألوف وضروري لوجودنا، وهي من نفس نظام تعايش القدماء مع آلهتهم … .
غاستون باشلار: لا! هم يواصلون الاندهاش باستمرار. اليوم يقولون لك، سيدي تفضل ميكروفون ستتوجه إلى مليوني مستمع، أو أن الأستاذ إينشتاين ، سيتحدث إليكم من نيويورك ، ثم لا أحد منكم يندهش. إنها ثورة مع ذلك، ولن تكون إلا داخل النظام الفلسفي. ولا ينبغي فقط في رأيي، أن نغتبط لهذا التحسن الذي تحقق في العلاقات بين الموجودات. نسجل بالفعل تحولا في سلم القيم. هل تكفي كلمة خطيب من أجل التوجه إلى ملايين المستمعين ؟ وفي اللحظة التي يختار فيها المستمع بين إينشتاين وكذا نغمة من الجاز Jazz. لقد ضعفت وزيفت الصلة بين الأشياء. الاختيار بسيط جدا، تدير زرا … ثم تحصل على كل شيء.
أندري بارينو: (تمنيت بالتأكيد، احترام صمت الفيلسوف ولكن موضوعي يوجهني، وأحس كثيرا إلى أين يمكن أن يقودني منطق محاوري).
القسم المخصص للتسلية في برامج المذياع مهم جدا، وبلا شك فإنه يتضاعف أيضا. هل يجب في رأيكم مقاومة هذا الاتجاه ؟
غاستون باشلار: لماذا الخوف من هذا المسار ! أعتقد بأن نسبة كبيرة من المستمعين تطلب ذلك. التسلية ربما هي التوازن الضروري من أجل مقاومة ضغط القوانين والضرورات الاجتماعية. الضحك منقذ، هل لازلنا في حاجة إلى تأكيد هذه الخاصية.
أندري بارينو: كل القضية هنا والإيحاءات لا يستخف بها …
غاستون باشلار: يبدو لي، بأننا لم نحلم قط بأن نعين المذياع كـ"فيلسوف هوائي" والذي إلى جانب كونه مموجا. سيكون مسؤولا عن النوعية، لا أقول أبدا عن الأخلاق، ولكن القيمة السيكولوجية للبرامج. هذا سيفرض على المنتجين أخذ مهنتهم عن عالم النفس.
أندري بارينو: إذا فهمت جيدا، فإنكم تحلمون بإعطاء المذياع منصبا. فكرة جاءتني هكذا عفويا إلى الدماغ. في هذه الحالة، إلى أي برنامج يتجه ذوقكم الشخصي ؟
غاستون باشلار: إلى الذي يفضل حلم اليقظة. أريد أن أقول، البرنامج الذي يحترم عزلتي وينميها. كلنا في حاجة إلى العزلة. لماذا لا يساعدنا المذياع على تحقيق ذلك ؟ إنها بالتأكيد تقنية، من الضروري التركيز عليها. الشعور الباطني له قوانينه، يجب معرفتها.
أندري بارينو: وإذا سألتكم سيدي، القيام بتجربة من هذا النوع، وإنجاز برنامج مخصص لعزلة الإنسان وأحلامه الباطنية. بماذا تجيبون ؟
غاستون باشلار: سأقبل بلا شك. سأفكر في هذا الأمر. فيلسوف لا يعني ذلك قط حلما فارغا.
[هو ذلك باشلار »حيا»]
في مراسلاته، عثرت على رسالة إلى السيدة «Giroux» يوم 13 ماي 1951: (أشتغل منذ ثلاث ساعات. والساعة الآن تشير إلى الثامنة والنصف. لقد سجل معي المذياع حوارا هذه الظهيرة).
حدث، في 13 أبريل بـ 2 شارع«Montagne-Sainte-Geneviève»، حيث يقطن غاستون وسوزان باشلار[2] منذ 1941: (لقد أقمت مغطسا في خلوتنا الصغيرة …، بالتأكيد يجب القيام بمجهود رياضي للدخول والخروج من هذا المغطس، مع ذلك فإن الإستحمام يريحنا).
بالتأكيد وعلى الرغم من كل شيء، فإن الحزن يفرض نفسه. وهكذا كتب إلى السيدة "Giroux" في يوليوز 1951: (أنا حزين جدا. لو كنت اشتغلت أقل، سأكون الآن مطمئنا في بيتي، أتناول فواكه حديقتي …، لقد افتقدت كل شيء، الليل الهادئ والمنعش والأشجار والهضبة) ويضيف: (في هذه اللحظة، تحول منزلنا الصغير إلى فرن تجفيف، ثم لا يمكننا أبدا فتح النوافذ بسبب الضجيج) (31 يوليوز 1951).
وفي الواقع، فإن الحادثة الأكثر أهمية ظلت مضمرة في عبارته. ذلك أن مجموعة من أعضاء "Collège de France"، طلبوا من غاستون باشلار أن يتقدم إلى كرسي هذه المؤسسة المحترمة. ميرلوبونتي الذي كان مرشحا، أراد الانسحاب لصالح باشلار. لكن هذا الأخير، لم يقبل وأعطى مبررات ذلك في رسالة وجهها إلى السيدة "Giroux" في 11 فبراير 1952: (أمارس دائما نفس الحياة المضطربة والتي تعجبني في العمق. لذلك لم أتوخى أن أطلب بإلحاح الإقامة الجميلة بـ"كوليج دوفرانس". لقد ظفر صديقي الشاب ميرلوبونتي بذلك، إلا أنه ما إن علم بترشيحي، حتى كتب رسالة لطيفة يؤكد فيها بأنه قد سحب ترشيحة. يتحدد الزمان في منزل ساحة "Maubert" وكأننا في معمل. أفهم جيدا، بأن سوزان Suzanne لا يمكنها أن تعيش كما نعيش في منطقة "Bar-sur-Aube" دون ضغط اليومي. لقد أزحنا عن وجودنا شيئا فشيئا كل التباطؤات).
كتب في 2 فبراير: (البارحة ليلا، أرهقني الضيوف. لم أعد أدري كيف أقعد الجميع. وهذا أحدث  تأثير غريبا لأن كل هؤلاء الناس جاءوا من أجل أسئلة دقيقة جدا ومتنوعة).
كما يستحضر في رسالته، زيارته إلى محترف "Chagall" في 7 مارس: (ذهبنا بالأمس عند أحد أكبر رسامي عصرنا، يتعلق الأمر بـ"Marc Chagall". إنه يريد أن أقدم فهرس معرضه المقبل. سأقبل ذلك بلا شك. مهمة إضافية بالتأكيد، لذلك سأنهي بشكل سريع مقدمة رواية لـ"بلزاك"  (المقصود هنا رواية "Séraphita"، النادي الفرنسي للكتاب).
ويؤكد حضوره في التدشين: (يجب أن نحضر حفل تدشين معرض "Chagall". وقد كتب لي "Marc Chagall" رسالة لطيفة جدا يشكرني فيها على الصفحات التي كتبتها حوله) (21 ماي 1952).
شعاع متفائل ومرح في رسالة 3 أبريل 1952: (هنا الحياة المادية في الواقع، أكثر سهولة من أي مكان آخر. سوزان  سعيدة في شقتنا الصغيرة. خلال عشرين دقيقة يكون الحمام جاهزا).
نكتشف باشلار وهو مسرور بشهرته: "كوليج دوفرانس" و"شاغال" و"الإستحمام". والآن مع الألقاب الأدبية لـ"المحيط". كتب في 2 ماي: (توجهت قبل أمس صحبة سوزان إلى غاليمار "Gallimard" من أجل استقبال كبير على شرف ميرلوبونتي. لقد التقينا بكل الفلاسفة الشباب: سارتر، سيمون دوبوفوار، إلخ، إلخ. تأثرت كثيرا بالصداقة التي أظهروها لي. هذا يعوض لا مبالاة الآخرين).
رغم أنه قبل كرسي "Edouard le Roy" في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، فقد عبر للدكتور "Giroux" عن تردداته حينما أراد أصدقاؤه منحه سيف الأكاديمية، يقول: (كل ذلك يجعلني مضطربا جدا. تخيلوا بأنني لا أصلح للتشريفات. لكن أصدقائي هنا، لا يفهمون التراجع. قرر صديقي الطيب، النحات "Flocon" بأن يصنع المقبض: (شرف في الواقع للأكاديمي) كيف نجيب على هذا القدْر الصداقة ؟).
بطبيعة الحال، يعتبر حفل السيف تقليدا. يظهر باشلار متضايقا من هذا التقدير، لذلك كتب في 24 يونيو 1956: (في الجمعة المقبلة، عليهم إعطائي سيفي. بالطبع سيكون ذلك في حفل قصير جدا، تمنيت أن يكون منتهيا. أنا مضطرب، لأن أكون موضوعا لهذا القدر من الإنزعاجات).
سنة 1961، حصل على الجائزة الوطنية الكبرى للآداب: (من السيد Gaétan Picon إلى مدير الآداب والفنون، كان للجمهورية شرف تحية عمل كبير) يتحدث جون لوسكور.
وردا على تقريض الرئيس "Jean Gairec": (ساحر هذا الفيلسوف)، أجاب باشلار جوابا مفعما بالدعابة والطيبوبة، من أجل بلده العزيز ومستحضــرا طفولتــه، وهـو يستعيـد جمـلـة جاءت في كتابه :
"L’air et les Songes": (في الوقت الذي أسمع فيه نمو شجر الجانرك "Les Mirabelles" أرى الشمس تداعب الفواكه، وتذهب dorer كل الأشكال المستديرة، كما تصقل كل الاغتناءات). ثم يضيف وهو يرفع كأسه: (هذا القدح من النبيذ، الممتقع، البارد والجاف، يرتب كل حياتي في شامبانيا [3]. يعتقدون بأنني أشرب، أنا أتذكر).
على الرغم من محنه، فإن باشلار جابه. رسالته المؤرخة في 25 أبريل 1962 تشهد على إرادته في الاشتغال: (… يجب أن أعمل أكثر، لدي كتب كثيرة لم أشتغل عليها بعد. تدهشني عطالة كثير من الأساتذة الشيوخ …).
يـستـحضـر جـون لوسكـور J. Lescure في كتابـه :
"Un été avec Bachalard" اللحظات الأخيرة لباشلار: (13 أكتوبر (…) همس طبيبه "Mallarmé" إلى "Pièrre Desvignes"، بأنه يعالج رجلا من القرن الوسيط. لقد عاينت -يقول- روحا نسيت منذ عشرين سنة بأن لها جسدا).
(الثلاثاء 16 أكتوبر. توفي باشلار على الساعة الثانية عشرة زوالا و55 دقيقة تقريبا. في الثانية عشرة و30 دقيقة، تخلص من فتوره متسائلا عن الساعة. كان صوته ضعيفا جدا. أخبرته سوزان بأنها: الثانية عشرة ونصف. بدا وكأنه يسمع. ثم قال: أنا منهك. أغلق عيناه ثانية، ضعف نفسه شيئا فشيئا. لقد انطفأ حقا …).
ثم يكتب لوسكور: (على بعد عشر سنوات (…) لا أرى كيف يمكننا تعويض خسارتنا. العالم يسير، والتاريخ يدبر أمره. لكن نحن؟ نعرف جيدا بأن رجلا مثل باشلار، ليس منه ثلاثة في جيل، ولا يمكننا العثور عليه ثانية).
كتب باشلار في "La poétique de la rêverie": (وعي سعيد بالنسبة إلي … هو وعي رجل يشتغل إلى آخر نفس).
لا يمكننا أن نتخيل صدقا أكبر من وعد القلب هذا. طفولته المدهشة تأتي على الانتهاء. طفولة وحزن كبير حدادا على فقيدته الغالية[4] والتي استحضر ظلها مرتين: (… الحداد المؤلم أكثر هو الوعي بمستقبل خائن، وكذا في اللحظة الحزينة التي يغلق فيها كائن عزيز عيناه، فجأة تحس بأي جديد معاكس "تقتحم" اللحظة المقبلة قلبنا) (حدس اللحظة).
(المستقبل الخائن) ؟. لقد توخى باشلار في كتابه الأخير "Le phénix"[5] والذي لم يكمله، إظهار أن: (فنيق Le Phénix هو كائن الخرافة المزدوجة: يحترق بنيرانه، ثم ينبعث ثانية من رماده …، بالتأكيد صورة فنيق تحولت إلى فعل). وهي كذلك إحدى أكثر "روائز الخيال" الباهرة، التي تحرر اللغة من عاداتها، "سمات النار" يقول باشلار.
يبقى عمل باشلار "فنيق حلم اليقظة"، فعلا حيا وجذابا، وحث دائم على الإبداع الشجاع.
في نطاق اقتناعنا بأن التعليم، سيصير القضية الكبرى للقرن 21 وفرصة التحول الجوهري، فإنه من البديهي أن اشتغال النظام الإيتيقي للفلسفة البشلارية، يتجسد في تعبيرية ومنهجية بيداغوجية عظيمة هي بلا شك العرض الأكثر واقعية وشجاعة، المقترح على الأذكياء والمبدعين الديناميين، ويطرح مسألة معنى المجتمع الكوني. هذا الاقتراح "السياسي" قادرا على أن يحمل حلا لتنافس الرموز والهويات الطبيعية، ويقدم إيتيقا تهمين على القوى الاقتصادية والتجارية والاجتماعية، وتتطابق مع شمولية الواقع الإنساني وكذا مع هذه الوظيفة الجديدة للخيال التي رسمت تطورات العلوم والفكر. أساس البيداغوجية الخيال وصوره، ويمكنها منح الإنسان في تعدديته إمكانيات الوصول إلى أبعاده وتحقيق مصير قواه الفطرية والتي تم خلقها ثانية.



[1] -André Parinaud : in cahiers gaston bachelard, Témoignages n° 3, 2000  pp : 55-59.

[2] -سوزان باشلار: الابنة الوحيدة الفيلسوف غاستون باشلار، ولدت سنة 1919 [المترجم].
[3] -ينحدر باشلار من منطقة شامبانيا [المترجم].
[4] -أعقد بأن صاحب المقالة، يشير هنا إلى السيدة "Jeanne" التي توفيت سنة 1920 بعد ست سنوات من زواجها بباشلار. [المترجم]
[5] -أخرجت سوزان باشلار، مسودة هذا العمل بعد وفاة الفيلسوف تحت عنوان: Fragments d'une poétique du feu [المترجم].