الاثنين، 24 أبريل، 2017

مسرحية: دفقة دم

للشاعر الفرنسيّ: أنتونان آرتو
ترجمة: محمد عيد إبراهيم


الشخوص
شابّ
مرضعة 
فتاة
كاهن
فارس
إسكافيّ
شمّاس
بائع جوّال
مومس
صوت هائل
قاضٍ


الشابّ: أحبكِ وكلّ شيء بديع.
الفتاة: (بصوتٍ متهدّج) تحبّني وكلّ شيء بديع.
الشابّ: (بنبرةٍ أخفضَ) أحبكِ وكلّ شيء بديع.
الفتاة: (بنبرةٍ  أكثرَ أنخفاضاً ) تحبّني وكلّ شيء بديع.
الشابّ: (تاركاً إياها بغتةً) أحبكِ. (صمت) واجهيني.
الفتاة: (تقف إزاءه كالسابق) هناكَ.
الشابّ: (بصوتٍ متعالٍ، عالي النبرةِ) أحبكِ. إني نبيلٌ. نقيٌّ. غنيٌّ. غبيٌّ.
الفتاة: (بالصوتِ عالي النبرةِ ذاته) نحبّ بعضَنا بعضاً.
الشابّ: إننا مُغرمان. آهٍ، كم بُنيَ العالمُ بشكلٍ بديع.

(صمت. ثمةَ ضجّةٌ لكأنّ عجلةً تدورُ فتُحرّكُ الهواءَ. تفصلهما زوبعةٌ. تُرى، في الوقت ذاته، نجمتان، ترتطمان، تتساقطُ منهما متواليةٌ من سِيقانِ لحمٍ حيٍّ بأقدامٍ، أيدٍ، فرواتُ رؤوس، أقنعةٌ، صُفوفُ أعمدةٍ، أروقةٌ، هياكلُ، أنابيقُ تقطيرٍ، تتساقطُ أكثر  وأكثرَ  لكن ببطءٍ، وكأنها تتساقطُ في فراغٍ: ثم ثلاثةُ عقاربَ واحداً إثرَ  آخر، وفي النهايةِ ضِفدَعٌ وخُنفساءُ، جاءا يستريحان ببطءٍ مستميت، بطءٍ مقزّز)
الشابّ: (صائحاً بكامل طاقته) جُنّت السماءُ. (وينظر  ناحيةَ السماء) فلنُسرع لنبتعد عن هنا. (ويدفعُ الفتاةَ أمامه)
(يدخلُ فارسٌ من العصور الوسطى، شاكّاً دِرعاً عِملاقاً، تتبعهُ مرضعةٌ تحضِنُ ثديَيها بيدَيها وتنفخُ، فثدياها متورّمتان)
الفارس: دعينا من ثديَيكِ. هاتي أوراقي.
المرضعة: (صارخةً بنبرةٍ عالية) آهٍ! آهٍ! آه!
الفارس: اللعنةُ. ماذا جرى لكِ؟
المرضعة: ابنتُنا، هناكَ، معهُ.
الفارسُ: اهدئي، فلا فتاةَ هناكَ.
المرضعة: أقولُ لكَ إنهما يتجامعان.
الفارسُ: وماذا يعنيني إن كانا يتجامعان؟
المرضعة: غِشيانُ مَحارمَ.
الفارسُ: هي المولّدة.
المرضعة: (تدسّ يدَيها عميقاً في جَيبَيها، وكانا كبيرَين كثديَيها) قَوّاد.
(وتُلقي إليهِ بأوراقه)
الفارس: دعيني آكل.
(تندفعُ المرضعةُ خارجةً)
(ينهض، ومن كلّ ورقةٍ يتناولُ هَبرةً كبيرةً من الجُبن السويسريّ. يسعَلُ فجأةً ويختنق)
الفارس: (بفمٍ ملآن) إب. إب. أريني ثديَيكِ. أريني ثديَيكِ. أينَ راحَت؟ (ويركضُ خارجاً)
(يرجعُ الشابّ)
الشابّ: رأيتُ، عرفتُ، فهمتُ. هنا، في الشارع العام، الكاهنُ، الإسكافيّ، البائع الجوّال على بابِ الكنيسة، نورُ الماخورِ الأحمر، كَفّتا ميزانِ العدالةِ. لم أعد أستطيعُ التحَمّل!
(يصِلون، على خشبةِ المسرح، كالظلالِ: كاهن، إسكافيّ، شمّاس، مومس، قاضٍ، وبائع جوّال)
الشابّ: لقد ضَيّعتها، أعيدوها إليّ.
الجميع: (بأصواتٍ مختلفة) مَن، مَن، مَن، مَن.
الشابّ: زوجتي.
الشمّاس: (وهو  بدينٌ جداً) زوجتكَ، أنتَ تمزح!
الشابّ: أمزح، أتكونُ زوجتكَ!
الشمّاس: (يخبطُ جَبهته) قد تكونُ. (ويركضُ خارجاً)
(الكاهنُ يغادرُ  المجموعةَ، واضعاً ذراعَه حول رقبةِ الشابّ)
الكاهن: (كمَن يستجوبُ أحداً باعتراف) إلى أيّ طرفٍ من جسمكَ تُشيرُ  غالباً؟
الشابّ: إلى الربّ.
(مرتبكاً من الردّ، يتحوّل الكاهن تواً إلى اللكنة السويسرية)
الكاهن: (بلكنة سويسرية) لكن ذلكَ لن يُجديكَ. فلم نعد نسمعُ من تلكَ الأُذن. عليكَ أن تطلبَه من الزلازلِ والبراكين. فنحنُ ننغمسُ في فواحشِ الإنسانِ الصغيرةِ بمقصورةِ الاعتراف. هكذا الحياةُ.
الشابّ: (أكثرَ  تأثّراً) نعم هكذا الحياةُ! ثم يذهبُ كلّ شيءٍ إلى الجحيم.
الكاهن: (لا يزالُ بلكنة سويسرية) طبعاً
(يهبطُ الليلُ، فجأةً، في هذه اللحظة، على المسرح، تَزَّلْزلُ الأرضُ. ثمةَ رعدٌ هادرٌ  وبرقٌ منعَرجٌ في الجهاتِ كافّةً، عبرَ  ارتجافاتِ الشخوصِ كافّةً، فيُرَوا راكضين يرتطمونَ كلٌّ بالآخرِ، من ثَمّ يتساقطون ومن ثَمّ ينهضون، راكضين حولَ أنفسهم كالمجانين. بعدئذٍ تمسِك يدٌ عملاقةٌ بالمومسِ من شَعرها، فتنفجرُ  في لهيبٍ ثم تتضخّمُ أمامَ أعيننا)
صوت هائل: تمَعّني في جسمكِ، يا عاهرة!
(يُرى جسمُ المومس عارياً تماماً بل شائناً تحتَ قميصها ولُباسها، فقد استَحالَ شفّافاً كالزجاج)
المومس: دعني وشأني، يا ربّ.
(وتَعَضّ الربّ من مِعصَمه. دفقةُ دمٍ هائلةٌ تؤذي المسرح، وعبرَ  ومضةِ البرقِ الكبرى، يُرى الكاهنُ وهو يرسمُ علامةَ الصليبِ. وحينَ تُضاءُ الأنوارُ  ثانيةً،نرى الشخوص أجمَعَهم موتَى، ترقدُ جثامينُهم على الأرضِ. يظلّ الشابّ والمومسُ فحَسبُ يفترسُ كلّ منهم الآخرَ  بعينَيه. ثم تسقطُ المومسُ بينَ ذراعَي الشابّ)
المومس: (بآهةِ من وَصلَ إلى ذروةِ الجِماع) قل لي كيفَ حدثَ لكَ هذا.
(يُخفي الشابّ رأسه بينَ يدَيه. ترجعُ المرضعةُ وهي تحملُ الفتاةَ تحتَ ذراعها كالصُرّة. الفتاةُ ميتةٌ. توقِعُها المومسُ على الأرضِ فتنهارُ  منبطحة كالفطيرةِ. ولم يعُد للمرضعةِ ما كانَ من ثديَين. صارَ  صدرُها مُمَهّداً كلياً)
الفارس: (بصوتٍ مفزع) أينَ راحَ ثدياكِ؟ ناولِيني جُبني السويسريّ.
المرضعة: (بجرأةٍ ومَرَح) تفضّل.
(وترفعُ ثوبَها. وَدّ الشابّ أن يهربَ، لكنهُ تجمّدَ كدُميةٍ تحَجّرت)
الشابّ: (كمَن يتدلّى في الهواء، كلامهُ من بطنه) لا تجرحيني، أُمّاهُ!
الفارس: شيطانة!
(ويُخفي وَجهَه في رَوْعٍ. ينسَلّ حشدُ عقاربَ من تحتِ ثوبِ المرضعةِ منتشراً ما بينَ ساقَيها. يتورّمُ مِهبَلُها منشَطراً ويشِفّ ملتَمِعاً كالشمسِ. يركضُ الشابّ والمومس وكأنهما موتى ـــ أحياء)
الفتاة: (تنهضُ، دائخةً) العذراء! آهِ، ذلكَ ما كانَ يبحثُ عنه.
.............................................
(*) أنتونان آرتو  Antonin Artaud: (1896/ 1948)، أهم الطليعيين الفرنسيين، شاعر، مسرحيّ، ممثل، مخرج، منظّر  للسوريالية، أثّر  في مسرحيّ العبث (بيكيت، يونسكو، جينيه). من كتبه: مسرح القسوة، فان جوخ (المنتحر  بأثر من مجتمعه)، رقصة بايوت (رحلاته في المكسيك)، الفوضويّ المتوّج.(م)
(*) اللوحة، للفنان الليبيّ: معتوق أبو راوي

(*) كل الشكر للشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم



قصيدة: رسالة الي بيير لويب
للشاعر الفرنسيّ: أنطونان آرتو
ترجمة الشاعر الكبير: أنسي الحاج



زمنَ كان الإنسانُ شجرةً بلا أعضاء ولا وظيفة،
بل من إرادة
وشجرةً من الإرادة تمشي
سوف يعود
لقد كانَ، وسوف يعودُ.
لأن الكذبةَ الكبري كانت أن يُجعَل الإنسانُ جهازاً عضوياً
التهاماً، إساغة
إرخاماً، إبرازاً
ما كان قد خلق نظاماً كاملاً من الوظائف الخفية

والتي تعصَى على حقل الإرادة المحررة
الإرادة التي تقرر لنفسها كلّ لحظة،
إذ هكذا كانت تلك الشجرةُ البشريةُ التي تمشي
إرادة تقرر لنفسها كلّ لحظة
بلا وظائف خفية، منقادة بوجهها اللاوعي.
مما نحن ومما نريد يبقى في الواقع شيءٌ قليل،
غَبْرة وطبيعةٌ تطفو

والبقية، يا بيير لويب ، ما هي؟

جهازٌ  عضوي للانتقام،
باهظٌ باللحم،
ويفرز،
وحيثُ في حقلهِ،
كالأشعة القُزَحية،
البعيدة،
قوسُ قزحٍ عُقِدَ الصلحُ بينه وبين الله.
تطفو،
تسبح،
الذرات الضائعة،
الأفكار،

حوادث ومصادفات في مجموعِ جسدٍ كامل.
ماذا كان بودلير،
ماذا كان ادغار بو، نيتشه، جيرار ده نرفال؟
أجساداً
أُكلَت،
هُضِمَت،
نامَت،
شخَرت مرة كل ليلة،
أفرزت

بين 25 و 30000 مرة،
ومقابل 30 أو 40000 أكلة،
40 ألف رقادٍ
40 ألف شَخرة
40 ألف فم حامض ومُقرٍّ عند القيام
على كلّ منها أن يقدم 50 قصيدة،
حقيقةً ليس ذلك كافياً،

والتوازن بين الإنتاج السحريّ، والإنتاج الاوتوماتيكيّ
بُدٌّ عن أن يكونَ موفراً،
أنه مفقودٌ فقداً مطلقاً،
لكن الواقعَ البشري، يا بيير لويب، ليس ذلك.
نحن 50 قصيدة،
الباقي ليس نحنُ بل العدم الذي يكسونا،

يضحك منا أولاً،
يعيش منا بعد ذلك.
وهذا العدم ليس لا شيء،
ليس شيئا ما،
إنه أشخاصٌ ما،

أقول بشرٌ  ما.
حيواناتٌ بلا إرادة ولا فكر خاص،
أي بلا ألم خاص،
بلا تقبّلٍ فيهم لإرادةِ ألمٍ خاص،
ولم يجدوا طريقة أخرى ليعيشوا
غير تزوير الإنسانية.

ومن الشجرةِ الجسد،
لكن الإرادة الخالصة التي كنّاها،
يصنعون إنبيقَ البرازِهذا،
هذا البرميل للتقطير السلاحي،
علّة الطاعون،
وجميع الأمراض،
وهذه الناحية من الضعف النّغْل،

من الخَسفِ الورائي
التي تميز الإنسانَ المخلوق.
ذات يوم كان الإنسانُ ساماً،
لم يكن غيرَأعصابٍ كهربائية،
شُهبان فوسفورٍأبديّ الاشتعال،
لكن ذلك دخل في الأمثال،
لأن البهائمَ ولدت نفسَها فيها،

البهائم،
نقائص مغناطيسية محمولة بالولادة،
هذه الثغرة الجوفاء بين مِنفَخَين بالعنوة
التي لم نكن،
كانت عدماً
وأصبحت شيئاً ما
وسقطت حياة الإنسان السحرية،
سقط الإنسانُ عن صخرتهِ الممغنطة،
والوحي الذي كان الأساس
صار الصُدفةَ، الطارئَ،
النُدرة،
سُمو الكمال،
سُمو الكمال ربما
لكن بإزاء كلّ هذه الكَومة من الهول
حتي ليفضلَأن لا نكونَ قد ولدنا قط.
لم تكن تلك الحالة العَدَنية،
كانت الحالة الخُطة،
العاملة،
العمل
بلا زوائد، بلا خسارات، في دورة لا تُروَى.

لماذا لم تحافظ هذه الحالة على نفسها؟
للأسباب التي من أجلها
جهازُالبهائم العضوي، الذي صنعتهُ البهائمُ لنفسها،
الذي خلفَ الحالةِ منذ قرونِ
سينفجر.
تماماً للأسباب ذاتها.
أكثرَحتميةً هذه من تلك.

أكثرَحتميةً انفجارُجهازِالبهائم العضوي
من انفجارِالعملِ الأوحد
في جهدِ الإرادةِ الوحيدة والتي لا يمكن وَجْدُها.
إذ الواقعُأن الإنسانَ الشجرة،
الإنسانَ الذي بلا وظيفة ولا أعضاء تُبرّر إنسانيته،
هذا الإنسان استمرّ
تحت رداءِ الخِداع للآخر،

الرداءِ الخَدّاعِ للآخر
استمرّفي إرادته،
لكن الخفيّة،
دون تورّط ودون اتصالٍ بالآخر.
وما سقط هو ما أراد أن يحيط به ويقلّده
وعما قليل
بضربةٍ قوية،
بغتةً،
يكشفُ عن بُطلانه،
لأن مُنخلاً كان سيوجَد بين أولِ الرجالِ الأشجارِ  والآخرين،
لكن الآخرينَ انبغَى زمنٌ، دهورٌ من الزمن لكي يستحقّ الذين بدأوا أجسامهم،
كالذي لم يبدأ ولم ينقطع عن استحقاقِ جسمه،

لكن في العدم
ولم يكن هنالكَ أحدٌ
ولم تكن هنالكَ بدايةٌ

ثم؟
ثم.

ثم ولِدَت النقائصُ بينَ الإنسانِ والعملِ العقيمِ عملٍ سَدّالعدم.
قريباً ينتهي هذا العمل.
وعندئذٍ تنهارُالصُدفة.
صُدفة العالم الحاضر.
المبنية علي التشويهات الهضمية لجسدٍ جزّأته عشرة آلاف حرب،
والشر،
والمرض،
والبؤس،

ونقص المواد الغذائية، والأشياء ذات الضرورة الأساسية.
إن متبنّي نظام الاستغلال،
والمؤسسات الاجتماعية والبورجوازية
الذين لم يعملوا قط
لكنهم كَدّسُوا حبةً حبةً منذ ملياراتِ السنين ما سَرقوهُ
ويصونونه في بعضِ الكهوفِ المنيعةِ
التي تحميها البشريةُ كلها
باستثناء قلةٍ منهم

سيجدون أنفسهم مضطرين لاستفراغِ قواهم
أي للمقاتَلَة،
ولن يستطيعوا ألاّ يقاتلوا
لأن إحراق جثتهم الأبدي هو الذي ستنتهي به
الحربُ، هذه الحربُ، الغامضةُ التي تجيء.
لذلك أعتقد أن النزاعَ بين أميركا وروسيا،
وإن هوسُفِّعَ بقنابلَ ذرية،

ناقِهٌ بجنبٍ ومقابلَ النزاعِ الآخر
الذي
دفعةً واحدة
سيندلعُ
بين مُنبتّي إنسانيةٍ هضميةٍ
من جهة،

ومن الأخرى
إنسانُ الإرادة الصافية وندرة مشايعيه وتابعيه
لكن الذين يملكون القوة
  الأزلية
  لأنفسهم.


الأحد، 23 أبريل، 2017

كي نفرّ  من الذكرى

للشاعرة الأمريكية: إميلي ديكنسن
ترجمة: محمد عيد إبراهيم



كي نفرّ  من الذكرى
ألا نمتلك أجنحةً
قد يطيرُ  الكثيرُ
مُكرَهين على أفعالٍ أبطأَ
فيندهشُ الطيرُ 
حينَ يُنعمُ النظرَ  في شاحنةٍ جاثمة
برجالٍ يهربونَ
من ذاكرةِ الإنسان.


(*)رابط مشاهدة الفيديو
https://vimeo.com/67044934
.......................................
(*) إميلي ديكنسن Emily Dickinson(1830/ 1886): شاعرة أمريكية صوفية من الرواد، كانت تعيش منعزلة، ومعظم قصائدها عن الموت والخلود، نشرت حفنة قصائد، لكنها كتبت قرابة ألفي قصيدة، وماتت لا تعرف أنها شاعرة. (م)
(*) الفيديو  المرفق، فيلم قصير  للقصيدة، إخراج البريطانية: سيمون يوستاس

السبت، 22 أبريل، 2017

أيهما الأسبق تاريخياً، الكتابة أم الصورة؟

بقلم: رزان نعيم المغربي



توطئة”:

أيهما الأسبق تاريخياً، الكتابة أم الصورة ؟
مثل هذا السؤال يستدعي العودة إلى أصول الكتابة والصورة، واستتباعاً الأصل الأول للمستويين الافتراضيين (الكتابة والصورة) باعتبار أن هذين المستويين يتواشجان جبراً لا خياراً، فالكتابة صورة، لذا كان العرب يسمون المكتوب رسماً.. يقول (أبو يزيد البسطامي) مُحاججاً المخالفين له: “لقد أوتيتم بعلومكم رسماً عن رسم وميتاً عن ميت أما نحن فنأتي به من الحي الذي لا يموت ” (1) والإشارة هنا تطال الكتابة بوصفها رسماً، والمكتوب المتوارث بوصفه (رسماً عن رسم).
إذاً نحن أمام مستويين للرسم (الكتابة/ الصورة)”، وبهذا ينتفي الحاجز الدلالي بين الكتابة والصورة، فكلاهما صورة، غير أن الصورة في المكتوب تتخذ طابعاً أكثر تجريداً من الصورة المُجسّمة، فالمكتوب يستمد روحية الصورة من العناصر المكونة للكتابة، فالألف ممدود، والباء منقوطة، لكنه يتناسب من حيث الطول الإجمالي مع الألف، وهكذ سنجد أن معايير كتابة الأحرف مُجيرة على أنساق هندسية وأطوال قياسية يعرفها الخطاطون، وتُعتمد في أجهزة الطباعة بانواعها المختلفة .
وإذا كانت الكتابة أكثر تجريداً من الصورة فإن الصورة المجردة ( غير المكتوبة ) أكثر مرونة، فهي تحتمل التشبيه والتجسيم كما تحتمل التجريد والترميز، لكنها بأشكالها المجسدة والمجردة لاتخلو من تعبيرية تُجاور المعاني وتغيم في فضاء الدلالات، والحال فإن الكتابة تقدم صورة وصفية ذهنية بغض النظر عن (الرسم الكتابي) الذي أشرنا اليه سلفا .
إننا هنا إزاء تناص لا يتوقف عند حد، بل يسير ضمن متوالية تصاعدية مستمرة، فالكتابة والصورة تمثلان مستوين لحقبة تتجاوزهما، ذلك أن النص بالمعنى الواسع يشمل المكتوب والمرئي والمسموع، وهذا يعني أن كل أشكال التعبير نصوص وصور، وأن تلك الأشكال لا تشمل الاتصال المباشر عبر المرئيات المكتوبة، بل أشكال الإتصال (غير اللفظي) بما يشمل الموسيقى والإشارات والايماء وغيرها من طرق للتعبير غير اللفظي .
نعود الآن إلى ما أشرنا اليه في المقدمة حول أصل الكتابة والصورة حتى نستبين وحدة عناصر الوجود في هذا الجانب، وسنرى ان الحق هو مصدر المكتوب والمصور، ولهذا بيان لا بأس من التوقف عنده قليلاً.
من المعروف بداهة أن الانسان أطلق الأصوات المتناثرة قبل ان يرسم، وسنجد الاشارة عند الرضيع الذي يخرج من بطنه امه صائحاً، فجهاز الصوت هو أول فعل آدمي يرمز إليه المولود، لكن هذا الفعل صادر بدوره عن الجسد، فالإنسان يطلق الأصوات معتمداً على مخارج تلك الأصوات الراكزة داخل الجسم، فالألف ليس إلا صوتاً صدر من جوف الناطق، والباء صوت صادر عن تطابق الشفتين ، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الحروف التي تنبلج من ذات الأليات المشهودة في كل اللغات الانسانية وعند جميع مخلوقات الله من البشر والحيوانات.
هذه المقدمة الأساسية تعني أن الإنسان هو الوعاء الجامع للعلاقة بين المنطوق المكتوب من جهة، والمصور المرئي من جهة اخرى، غير أن هذه القدرة ماكان لها ان تتجلّى لولا الكمال الجسدي الذي منحه الله للإنسان وفضَله به على غيره من المخلوقات، وإذا أضفنا الى كمال الجسد مقام الروح والعقل سنتيقن بأن الأمر كله صادر عن الحق .
إن الاعتراف البدئي بهذه الحقيقة تجعلنا نستقرئ متوالية التسلسل والتكامل بين أنواع التعبير، فاللغة ليست كلاماً بل إنها جمع للكلام بشقيه الشفاهي والمكتوب، والتشخيص النصي الكتابي الوصفي، والصورة المرسومة سواء بطريقة يدوية كما نعرف من خلال التشكيل أو عبر وسائط تقنية كما الحال في الكاميرا.


ضرورة الصور في النص الابداعي:

يقول (ريجيس دوبري) في كتابه ( حياة الصورة وموتها): ظلت الصورة تعتبر كتابة حتى الظهور الحديث / قبل أربعة آلاف سنة / للطرائق الأولى للتسجيل الخطي للأصوات ويعتبر ذات طابع شعائري وأسطوري”. وأضاف ” أن الآثار الأولى للكتابة ظهرت في الألف الرابعة قبل الميلاد، في بلاد الرافدين ثم بعد ذلك يبدو كما لو أن تجريدية الرمز المكتوب قد حررت الوظيفة التشكيلية للصورة من حيث هي وظيفة تنافسية ومكملة للأداة اللغوية ” (2(
في هذا القول يضع (دوبريه) محددين للصورة والكتابة، فالكتابة في حالة اشتباك خلّاق مع الصورة، لأنها نبعت أساساً من الصورة، غير أنها انتقلت بالصورة من التجسيد والتشبيه إلى الترميز والتجريد، أما الصورة فقد كانت سابقة على الكتابة من حيث كونها تعبيراً شاملاً عن المرئي، فيما جاءت الكتابة لتستبدل الهيروغليفيا بالحرف. وبالتالي فإن الحرف برغم كونه صورة إلا انه مستودع يختزن في داخله قابليات لامتناهية من التصوير والتعبير أيضاً، والمثال الواحد يكفي ،فبعدد لا يزيد على 28 حرفاً نكتب بالعربية ملايين الكلمات بصورها ودلالاتها وأبعادها الشكلية والجمالية .


السرد والصورة:

وإذا كان السرد فن الفنون الكتابية المتمازجة، فإن حضور الصورة في السرد سيجعلنا نقترب من تداخل المستويين، وحتى نستبين مركزية السرد في الكلام فإن علينا الاشارة إلى أن السرد يتناسب مع الأبعاد التالية:
 تمازج عناصر كتابية متعددة ( الشعرية / الوصف / المحسنات البديعية / التصوير / الخيال) وهذه العناصر مجتمعة تبين درجة تقاطع السرد مع الفنون الكتابية المختلفة، وكيف ان البعد الحدثي الحكائي يتبلور من خلال الخيال الواسع المسيج بشاعرية النص وانسيابه، والمأخوذ بمنظومة المفاهيم الدلالية، والحاضر في أساس المرئي والمجهول .
 الرشاقة الاسلوبية، هي تعبير عن البعد الغنائي في السرد، لكن هذه الغنائية تستمد وهجها من موسيقى الوجود، وبه تستعين بحثاً عن عناصرالرشاقة التعبيرية التي تصل إلى التلقي كما لو أنها ماء زلال .
 أيضاً يستوعب السرد الصورة الوصفية والذهنية والافتراضية ، فالمزاج العام لكاتب النص السردي متداخل مع الحقيقة والخيال .. مع المعقول واللامعقول .. بل مع الحاضر والغائب .
سنعتمد رواية جابرييل جارسيا ماركيز ( مائة عام من العزلة) للاشارة الى أهمية الصورة في السرد وسنقف على التالي:
 الصورة الواقعية السحرية النابعة من الذاكرة :من خلال تذكر العقيد ( اوليانو بويندي) أمام فصيل الإعدام عصر ذلك اليوم البعيد، عندما وصلت عائلة غجرية بأسمالها المهلهلة إلى قرية (ماكوندو) وسط صخب عظيم وطبول عارمة، وكانت (ماكوندو) يومها قرية من عشرين بيتاً من العريش، تقع عند حافة جدول مائي تنساب مياهه فوق حجارة كبيرة ملساء وبيضاء كبيض من قبل التاريخ، وكانت الأشياء بلا أسماء، وكان يُشار بالبنان للتعرف عليها .
الصورة السينمائية المصاغة بغنائية رفيعة : وتبدو حين دخل (بريدنسو اجويلار) على (اورسولا) وقال لها: جئت أحضر دفن الملك !. تالياً دخلت الزوجة اورسولا إلى مرقد زوجها ” جوزيه اوركاديو بوينديا” ومعها جمع من الدار .. صاحوا في أُذنيه ووضعوا مرآة أمام منخريه ، ومااستطاعوا أن يوقظوه.
في الصباح همت السماء بوابل من أزهار صفراء حتى غطت السائبة النائمة في العراء ، فكان عليهم ان يحضروا الأدوات لإفساح الطريق أمام جنازة جوزيه اوركاديو بوينديا.


الصورة في الشعر:

سنعمد بشأنها الى استحضار بعض المحفوظات من الشعر العربي لتبيان العلاقة بين الشعر والصورة ودونما تعليق، فالنصوص تقدم نفسها بنفسها .
يقول عنترة :
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
يقول زهير ابن ابي سلمى :
ومن لايصانع في امور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
يقول ابوتمام :
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحىً يشله وسطها صُبح كمن اللهب
يقول المعري:
جسدي خرقة تُخاط الى الارض فياخائط العوالم خطني
يقول المتنبي :
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنّن ان الليث يبتسم
يقول يزيد ابن معاوية :
نالت على يدها مالم تنله يدي نقشاًعلى معصم أوهتْ به جلدي
كأنه طرق نمل في أناملها أو روضة رصّعتها السُحب بالبرد

إن الومضة أو الاشراقة، التي تدفع الشاعر لكتابة القصيدة تستدعي منه إيجاد الصورة الشعرية، لتقوم بوظيفة جمالية وتصبح قادرة على تكثيف المعنى وتحسين النص، وربما يقوم الشاعر بإعادة صياغة نصه أكثر من مرة أو الاشتغال عليه، وكلما اغتنت القصيدة بالصور كلما أصبح تأثيرها أقوى.
فالقصيدة تتجسد للقارئ بشكل متحرك بحيث يحملها في ذاكرته أينما ذهب ويستطيع امتلاكها معرفياً وجمالياً لحظة حفظه لها، وتكون الصورة الشعرية هي العامل المساعد على الانسياب مع النص.
وتأتي هذه الصورة الشعرية متناسبة طرداً مع الحالة الانفعالية للشاعر، الذي يمكنه في قصيدة واحدة خلق مجموعة كبيرة من الصورة المتناقضة، التي تجعل المتلقي يختلف مع آخر في قراءته للنص المكتوب ومع نفسه في قراءة آخرى.


الخيال والصورة:

للصورة البصرية قوة ثأثير كبيرة على الإنسان ، أما بالنسبة للمبدع فإن الصورة المحفورة في الذاكرة هي مخزون هائل وثمين ومتنوع ايضاً.
ويستطيع المتلقي استدعاء تلك الذاكرة لتصبح صورة فإن أداة التعبير تتنوع لديه، التي يستخدمها في أسلوبه لحظة الكتابة لتشييد بنائه السردي، واثناء استحضار الصور المرتسمة في أحلام يقظته، وعند استدعاء الصور المخزنة في الذاكرة من مشاهداته.. ايضاً الإنزياحات الابداعية عن الواقع، عطفاً على تفاعله مع أحاسيسه مباشرة، فإذا كانت صورة مكان عايشه الكاتب، في طفولته ( بيت مثلاً ) فلابد أن تتفاعل مع مشاعره حول ذاك البيت وتأخذ شكلاً مغايراً للواقع احياناً.

يقول غاستون باشلار في كتابه (جماليات المكان: (
نرى صوراً تنتج صوراً ، نحتفظ بصورة في ذاكرتنا وهكذا، أي أن الصورة هي كل شيء عدا كونها النتاج المباشر للخيال “(3) إن هذه العلاقة الملتبسة بين الخيال والذاكرة هي إعادة انتاج وخلق لصورة فنية تبدع صورة جديدة في الكتابة.
كما إن (باشلار) يعتبر الصور حالة وجودية مقرونة بالخيال، وهي تتناسخ متوالدة ومتداعية.. واحدة تلو الاخرى، ويخرج بالصورة من إطارها المباشر المعروف بوصفها مرئية بعين الانسان، مايذكرنا برؤية الشيخ (محي الدين بن عربي) الذي يعتبر ظواهرالوجود منظومة لصور تتداعى مسافرة في الزمان والمكان.. ظاهرة طوراً، ومختفية غالباً، ولهذا فانه يرى الصورة بعين قلبه، ويعتبر الخيال قيمة عليا في معادلة المشاهدة.. يقول :
لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان(4)
وأسوق مثالاً آخر حول العلاقة بين الرسم ( التشكيل) والتصوير ( الفوتوغراف)، وبين معايشة الحياة والكتابة عنها، فلو أن مصوراً فوتوغرافياً قرر أن يسجل بعدسته مشهد غروب الشمس على البحر، فإنه سوف يمضي الوقت وهو ينظر إليه من خلف زجاج عدسته، وفي النهاية يكون قد فوت على نفسه وروحه، متعة التفاعل مع المشهد. نفس الحال يمكن ان نشهده لو قام فنان برسم ذات المشهد أثناء الغروب، والكاتب سجل انطباعاته بنفس اللحظة، الا أن الكاتب لديه القدرة على تحريك اللغة واللعب بها كلما استدعى المشهد في ذهنه مرة أخرى، واشتغل على النص مرات متعددة، لذا ستكون النتيجة مختلفة عما فعله المصور الذي التقط الصورة كما رأى وليس كما أحس بها فيما بعد. هذا ما أراد قوله (باشلار) إننا نرى صوراً تنتج صوراً….”
في هذا الصدد يقول ريجيس دوبري: في كتابه (حياة الصورة وموتها) “لو كانت الصورة لغة، لكانت قابلة للترجمة إلى كلمات، وتلك الكلمات بدورها إلى صورة أخرى، وذلك أن خاصية لغة ما هي أن تكون منذورة للترجمة “(5)
ويتابع القول: ” إن التشكيل يمنح المعنى للرائي حسب ماهو عليه، بينما الصورة علامة لها ميزة تكمن في أنها تمنح نفسها للتأويل وتدعو إلى ضرورته غير أنها لايمكن أن تقرأ، لكن الانسان اهتم في الغالب بفعالية الكلمات أكثر من اهتمامه بفعالية الصور” (6)
لهذا كان الكاتب على الدوام حريصاً على إعادة انتاج الصورة حيث تمر بمرحلة أولى( الخيال ، الحلم، الذاكرة) ثم تنتقل مُجسدة في كلمات أثناء الكتابة ونتيجة حتمية لتفاعل الكاتب مع حدث ما .
وعن حركية الصورة يقول (دوبري) ” ليست حركية الصورة والكلمة من نفس الطبيعة، ووجهتهما ليست هي نفسها، فالكلمات تقذف بنا نحو الأمام فيما ترمي بنا الصورة في الخلف، وهذا التراجع في زمن الفرد والجنس الإنساني يعتبر مسرعاً ومحركاً للقوة. إن المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية “(7)
لكن هذا الاستنتاج يستدعي السؤال التالي: لماذا يتم تحويل الأعمال الابداعية/ السرديات إلى أعمال درامية ؟ ولماذا يرى علماء الجمال والنقد ان لدى الصورة السينمائية التلفزيونية قدرة استثنائية في مخاطبة جمهور واسع ؟
أعتقد في محاولة للإجابة، أن عملاً درامياً أخذ عن رواية لايمنح المتلقي ذات الأثر الخيالي الذي يمكن ان يجده في قراءة النص الروائي، والفارق بين المستويين ان القراءة تمنح المتلقي قدراً أكبر من المشاركة الوجدانية والخيالية، فيما تقوم السينما والتلفزيون باستلابه هذا الامتياز، ولهذا كان مسرح ( برتولد بريخت ) يتوق إلى كسر حاجز الوهم في المسرح الاكاديمي ،لقد لجأ بريخت إلى أدوات التغريب المسرحي بحثاً عن مسافة فاصلة بين المشاهد والعرض حتى يتمكن المشاهد من التملُّك المعرفي الجمالي للعمل وبوعي حاضر، فيما كان المسرح الكلاسيكي يستلبه هذه القدرة من خلال إدماجه العاطفي في العرض المسرحي .
ان مثال مسرح بريخت قد يساعدنا على استيعاب العلاقة الديناميكية التشاركية بين العمل الفني والمتلقي، وتبعأ لذلك يمكننا استقراء مايرمي اليه ريجيس دوبري .
إن الكتابة صورة، تشكلت في الواقع وانتقلت إلى ذاكرة الكاتب الذي أعاد انتاجه في شكل سردي، ثم يأتي من يتكئ على نجاحها لآخراجها صوراً متحركة،
ولما كان للصورة قدرة كبيرة وسلطة بصرية على المتلقي فإن تضافرها مع الكلمة أقرب الى التنويع على أصل واحد كما أسلفنا، فالصورة كلمة، والكلمة صورة، واللغة لغات ، والبيان يتجاوز المعروف المألوف من قوالب الكلام والصور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:

(1)
شطحات ابي يزيد البسطامي) من الفتوحات المكية ج1-ص365
(2)
ريجيس دوبري- حياة الصورة وموتها- ترجمة فريد الزاهي-المغرب- بيروت افريقيا الشرق- ص (24) ط1
(3)
غاستون بشلار- جماليات المكان-ترجمة غالب هلسا-بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – ص (30) ط5
(4)
محي الدين بن عربي- الفتوحات المكية ج 1 – بيروت الناشر: دار الكتب العلمية
(5)
ريجيس دوبري- نفس المصدر ص (44)
(6)
المصدر السابق
(7)
المصدر السابق ص(175- 176)

ورقة تم تقديمها في ندوة ملتقى سرديات الكاتبة العربية، في الجزائر 2007