الجمعة، 13 يناير، 2017

سعيد بوخليط وإصدار جديد

سعيد بوخليط وإصدار جديد :
 أمي الحبيبة :من بودلير إلى سانت إيكزوبيري،رسائل أدباء


        عن دار مها للنشر والتوزيع والترجمة،في مصر، صدر حديثا كتاب جديد للباحث المغربي سعيد بوخليط (http://saidboukhlet.com)،تحت عنوان :أمي الحبيبة من بودلير إلى سانت إيكزوبيري،رسائل أدباء.هو، ترجمة إلى العربية،لمجموعة رسائل، بعث بها أدباء كبار إلى أمهاتهم،ارتباطا بسياق معين. ذكريات،حنين، نزهات، حكايات أسطورية،لحظات حميمية، ساعات النوم،مشاعر الغضب والفرح….
شارل بودلير، غوستاف فلوبير، هنري جيمس،أندريه جيد، مارسيل بروست، جان كوكتو، ويليام فولكنر، ارنست همنغواي، سانت إيكزوبري.جميعهم اقتسموا هذه اللحظات من طفولتهم مع أمهاتهم.لكن فيما بعد،تجلت الصعوبات، وتبلورت تباينات وجهات النظر، فباعدت الخلافات بين الطفل وأمه،بيد أن الإحساس بحب فريد،لا حدود لها،لم يختف أبدا. 
تظهر هذه الرسائل، شهادات عن حكايات هائمة ونزاعات وتوافقات وأحزان وأفراح،عاشها بعض عظماء أدباء الإنسانية،مع المرأة التي كانت مصدرا لوجودهم : أي الأم.  


الأربعاء، 11 يناير، 2017

ميشيل فوكو أو الجنس بمعنى آخر[1]


ترجمة: سعيد بوخليط
http://saidboukhlet.com


رغم دعوة بول فين Paul Veyne، في تأبين جميل، تضمنته دراسته الصادرة مؤخرا : [فوكو، فكره وشخصيته] (2008)، أن لا نخطئ دلالة المشروع الذي خلفه صديقه وزميله في الدراسة، مع ذلك، ينبغي  التذكير، كيف كان المجد وسوء الفهم في زمانه متآلفان.
مع استهزائه في قيرورة نفسه، فإن الفيلسوف فوكو الذي أغضب المؤرخين بوقاحته، وأزعج علماء الاجتماع بقوة ابتكاره، انتقل لدراسة لُباب فكر 1968 المتمرد. وقد امتلك ما يجعله لكي يغتر.
حينما بين فوكو، بين طيات كتابه : [تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي]. بأنه، انطلاقا من الرؤية العلمية حول المجانين، يتأتى احتجازهم. ثم، مع أعماله الأخرى، مثل : [أنا، بيير ريفيير...]، [المراقبة والعقاب]،  يدحض مجتمعا تترصده ديكتاتورية التلصص، حيث يعيش كل فرد داخله تحت مراقبة الجميع، كما لو إنه في سجن بنتهام . أيضا، وحيال الصخب الكبير للماركسيين الأرثودوكسيين، اعتبر فوكو  بأن السلطة تسود كل شيء، بالتالي، لم يعتد في نهاية المطاف باقتحام السلطة السياسية. كيف، مع كل هذا، لا يعرف المجد وسط مناخ من النقمة الزائدة، المهيمنة ؟ علينا، أن نستحضر في الذاكرة، هذا السياق، كيف نفهم سبب الرعب الذي أثاره تأريخه للجنس، حيث أصدر جزأه الأول "إرادة المعرفة" سنة 1976.
إذن، ونحن ننتظر من فوكو، أن يعيد ثانية صياغة أنيقة للفكرة المتداولة عن الجنس المحاصر، وبأن الأمر يدعو أكثر من المستعجل إلى "التمتع دون عوائق"، نجده يجزئ في شكل مقاطع  ما سماه "الفرضية القمعية"، ويسخر من الذين يعتقدون، بأن موضوع الجنس صلب كالحديد، بالتالي فهو "طابو" : ((إخفاء الجنس ؟  أو تتستر عليه، محضورات جديدة تعضدها المقتضيات الكئيبة للمجتمع البورجوازي ؟ إنه هائج ،على العكس من ذلك. لقد، ظل متموضعا طيلة مئات السنين، باطن إقرار معرفي رهيب. دعوة ثنائية، أجبرتنا على إدراك ما تحدده عنه، بينما يرتاب في هذا الجنس كي يعرف ما نضمره له)). نستشف، من خلال التأكيد الأخير، أنه يقصد التحليل النفسي، وقد قال عن تطبيقه متهكما : ((تُسدد تكاليف، بشكل خفي وصامت، كي يحدثوه عن ممارسته الجنسية ويعرف حقيقتها)). لكن، شيئا مؤكدا، إذا أخذنا بالمقلوب، الثنائية الشائعة عن الجنس المقموع والفرويدية، فقد اتجه ميشيل فوكو بحرية مدهشة نحو البحث، في جنس ضائع. غير، أن موته المبكر سيحرمنا من زمان اهتدينا إليه معه.



[1]  - عن مجلة « lire » ماي 2008، ص 38.

الأحد، 1 يناير، 2017

باسم أي مبرر، يُرفض القانون القائم :لقاء بين فوكو وتشومسكي


ترجمة: سعيد بوخليط



تقديم :هل بوسع  مشروع سياسي نعتبره منصفا،أن يتلاءم مع سلطة عنيفة وديكتاتورية، بل دموية؟سنة 1971،تساجل ميشيل فوكو مع نيومان شومسكي،بخصوص إشكالية من هذا القبيل. سجال، يمثل شهادة، عن تحول حقبة  .
تشومسكي :يمثل العصيان المدني،تحديا مباشرا، لما تبتغيه الدولة زيفا في اعتقادي،أنه بمثابة قانون،ذلك أن المبادرة إلى القيام بعمل يمنع الدولة من ارتكاب جرائم،يعتبر صائبا تماما،مثل اضطرارك لمخالفة قانون السير،كي تحول، دون وقوع عملية قتل.هكذا، إذا لم أحترم إشارة الوقوف، للضوء الأحمر،كي أمنع إعداما بالرصاص لجماعة من الأشخاص،فإن هذا لايشكل، فعلا غير مشروع،بل هو تقديم يد العون لشخص يواجه خطرا،بالتالي لن يدينني،أي تقييم عقلي سليم.
فوكو :في الولايات المتحدة الأمريكية،عندما ترتكبون حقا فعلا مناقضا للقانون،فهل تبررونه على ضوء عدالة مثالية أو شرعية عليا، أو بسبب ضرورة الصراع الطبقي،لأنها لحظة جوهرية للبروليتاريا في نضالها ضد الطبقة المسيطرة؟
تشومسكي:أعتقد عموما، سيكون في الأخير من المنصف جدا، مناهضة المؤسسات القانونية لمجتمع من المجتمعات،إذا كان من شأن الأمر،خلخلة مصادر السلطة والقمع داخل المجتمع.مع ذلك،وفي نطاق واسع جدا،يجسد القانون القائم،بعض القيم الإنسانية المحترمة. وإذا تم تأويله،بكيفية صحيحة، سيمنح هذا  القانون إمكانية  الالتفاف على مقررات الدولة.أعتقد، من المهم استغلال هذه الواقعة، وكذا مجالات القانون والتي هي محددة بدقة. بعد ذلك، العمل ربما مباشرة ضد  من يعملون، سوى على تكريس نظام سلطة ما ….
فوكو: إذن باسم عدالة جد خالصة ،تنتقدون اشتغال العدالة،لكن إذا كانت العدالة رهينة معركة، أي قدر كونها أداة سلطة،وليس من خلال الطموح، أنه في يوم من الأيام،سيتم أخيرا داخل هذا المجتمع أو ذاك، مكافأة الأشخاص حسب جداراتهم ،و يعاقبون بناء على أخطائهم،فبدلا من التفكير في الصراع المجتمعي،بمفاهيم العدالة،ينبغي التركيز على العدالة بمفاهيم الصراع الطبقي.لاتخوض البروليتاريا حربا، ضد الطبقة المهيمنة لأنها تعتقد هذا الحرب عادلة، لكن البروليتاريا تصارع الطبقة المهيمنة،لأنه للمرة الأولى في التاريخ،تريد الاستيلاء على السلطة، والإطاحة بسلطة الطبقة المهيمنة،بالتالي تعتبر حربها هذه، عادلة.
تشومسكي:أنا لست متفقا.
فوكو :نبادر إلى الحرب كي ننتصر، وليس لأنها عادلة.
تشومسكي :شخصيا،لست متفقا،فإذا أدركت بأن وصول البروليتاريا إلى السلطة،قد يجازف بفتح السبيل، نحو بناء دولة بوليسية إرهابية، تتنافى مع الحرية والكرامة والعلاقات البشرية اللائقة،فسأحاول الوقوف ضدها.أظن،أن المبرر الوحيد لابتغاء واقعة كهذه،هو الاعتقاد خطأ أو صوابا،بأن قيما إنسانية جوهرية،يمكنها الاستفادة من هذا التحول للسلطة.
فوكو: حينما تمسك البروليتاريا بمقاليد الحكم،قد تمارس على الطبقات المنهزمة، سلطة عنيفة وديكتاتورية بل دموية.لا أتبين هنا،أي اعتراض، يمكنه التبلور بهذا الخصوص. ستردون علي، في الحال :وإذا مارست البروليتاريا، هذه السلطة العنيفة والجائرة والظالمة،في حق ذاتها؟ سأجيبكم، إذن : يمكن أن يحدث هذا، إذا لم تمسك البروليتاريا حقا بالسلطة،بل فئة تمثل مظهريا البروليتاريا ،أو مجموعة أفراد قابعة داخل تشكلها، بمعنى مجرد بيروقراطية،  أو بقايا للبورجوازية الصغرى.
تشومسكي: لاترضيني، هذه النظرية للثورة،نتيجة مجموعة من الأسباب سواء التاريخية أو غير ذلك.حتى إذا تحتم علينا قبولها في إطار التدليل،تدافع هذه النظرية، على أن البروليتاريا لها حق الإمساك بالسلطة،وممارستها في إطار العنف والدم والجور،تحت مبرر بحسبي خاطئا،مضمونه أن يقود المسار صوب مجتمع أكثر إنصافا،بحيث تضمحل  الدولة، ثم تشكل البروليتاريا طبقة كونية،إلخ. دون هذا التبرير المستقبلي،سيكون هذا المفهوم عن ديكتاتورية  عنيفة ودموية، غير صحيح على الوجه الأكمل.هي قضية أخرى،لكني لاأتصور كثيرا،  ديكتاتورية للبروليتاريا، عنيفة  ودموية،  خاصة حينما يعبر عنها ممثلون ينتقون من بين صفوف حزب طليعي،امتلكنا بصدده  تجربة تاريخية كافية، تخول لنا  أن نستشرف ونتنبؤ ،بحيث سيكون هؤلاء ببساطة، مرشدين لهذا المجتمع.
*للاطلاع على الحوار، يمكن الرجوع إلى مجلة :
*Maniére de voir :octobre-novembre ;2014 ;numéro137.p46-47.

الجمعة، 30 ديسمبر، 2016

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

للشاعر الأمريكيّ: وليم بوروز
ترجمة: محمد عيد إبراهيم



(1)        صلاة الشكر
(إلى جون ديلنجر[1] وآمل أن يكون حياً، 
عيد الشكر[2] 28 نوفمبر 1986)

الشكرُ على الديكِ الروميّ[3] البريّ
وحَمامِ المسافرِ، المُعدّ
للتبرّزِ عبرَ أحشاءَ
أمريكيةٍ عَفِيةٍ.

الشكرُ على قارّةٍ للسَلبِ
والسمّ.

الشكرُ على الهنودِ لتزويدنا
باليَسيرِ من التحدّي
والخَطرِ.

الشكرُ على القَطيعِ الرحيبِ من ثيرانِ البايزن[4]
لنقتلَهُ ونسلخَهُ مخلِّفينَ
الجِيفَ لتتعَفّنَ.

الشكرُ على سَخاءِ الذئابِ
والقَيّوطِ[5].

الشكرُ على الحلمِ الأمريكيّ،
للبَسطِ والتزييفِ حتى
لتسطعَ عبرهُ الأكاذيبُ حاسرةَ الرأسِ.

الشكرُ على الكو كلكس كلان[6].

على القُضاةِ قَتلَةِ الزنوجِ،
لتلَمُّسِ شَجّ الرؤوسِ.

على المُحتَشماتِ الذاهباتِ إلى الكنائسِ،
بأوجهٍ شرّيرةٍ
ساديةٍ، مُغيرةٍ، ممرورةٍ.

الشكرُ على ملصقاتِ "اقتل
شاذّاً، لأجلِ خاطرِ المسيحِ".

الشكرُ على إيدز المعاملِ[7].

الشكرُ على الحظرِ
محاربةِ المخدّراتِ.

الشكرُ على بلادٍ
لا تدَع أحداً يتدبّر
أمرَه.

الشكرُ على أمّةِ المُخبرينَ.

الشكرُ، نعم، على كافّةِ
الذكرياتِ ـ طيب، أَرِنا
ذراعَيكَ! 

أنتَ دائماً في صُداعٍ
أنتَ دائماً مزعجٌ.

الشكرُ على الخيانةِ العُظمى
والأخيرةِ، لأحلامِ البشريةِ
العُظمى والأخيرةِ.
..............................................



(2)        (من غير  عنوان)

مع أني سكنتُ مدينةَ أحلامكَ
كمصباحٍ مقلوبٍ
طلبتهُ ولم أجده
في الأسواقِ المقفرةِ  ما وراءَ الصمتِ العميمِ
في البلادِ المشغولةِ بالجرادِ ظُهراً ــ
غيرَ  أنّ ــ
حكايةُ الظلالِ على جدراننا
رحلاتُ الإوزّ البريّ في رائحةِ الصباحِ العفنةِ
الوردُ ونوافيرُ الفضةِ في دخانِ الأحلامِ.
..............................................



ألحانُ البابون الأزرق

أنا قردُ بابونَ
أنا قردُ بابونَ أزرقُ
أنا قردُ بابونَ حقيقيٌّ
وإني لملحوظٌ
كقردِ بابونَ زاعقٍ!

أحبّ قردَ البابون
وهو  ينبحُ في القمرِ
في شهرِ  يونيو  المخبولِ
الشهرِ  الأكثرِ  خَبلاً
من بينها جميعاً!

طلبَ مني أن أغترفَ
من بحيرةِ ضوءِ القمرِ
ثُمّتَ، عاجلاً،
رحتُ في إغماءٍ
من منتصفِ الليلِ حتى الظهيرةِ
رحتُ في إغماءٍ، إغماءٍ، إغماء!

لأني قردُ بابونَ
قردُ بابونَ صغيرٌ  
أضعفُ قردِ بابونَ
من بينها جميعاً، جميعاً، جميعاً!

رحتُ في إغماءٍ
بينَ ذراعَيْ هذا الأبلهِ
ثُمّتَ، على كَثيبٍ،
استَدرتُ، ومنحتهُ
نفسي، نفسي، نفسي!

لأني قردُ بابونَ
قد تُطعِمهُ بمِلعقةٍ
أضعفُ قردِ بابونَ
من بينها جميعاً، جميعاً، جميعاً!

أنا قردُ بابونَ نحيفٌ
أنا قردُ بابونَ مصغَّرٌ 
بهذا الطولِ فقط!
أكثرُ  قردِ بابونَ أملسَ
أكثرُ  قردِ بابونَ وديعٍ
معَ أني أكثرُ  قردِ بابونَ أنيقٍ
من بينها جميعاً، جميعاً، جميعاً!

أنا أَوهَنُ قردِ بابونَ
أنا أمكرُ  قردِ بابونَ
أنا أميَلُ قردِ بابونَ
مع أني أحلَى قردِ بابونَ
من بينها جميعاً، جميعاً، جميعاً!

مِزاجي ليسَ حادّاً
ولا أقاتلُ أحداً
لا دافعَ عندي كي أقاتلَ
مُطلقاً أبداً!

أنا قردُ بابونَ
لا أنضَمّ إلى شِرذِمةٍ
لا إليكَ ولا  للجميع!
إزاءَ هجومكَ
أرقدُ منبَسِطاً على ظهري
أو أُثبِّتُ نفسي
على حائطٍ، أيّ حائطٍ،
أيّ حائطٍ بالٍ،
من بينها جميعاً، جميعاً، جميعاً!

لأني أرشَقُ قردِ بابونَ
أكثرُ قردِ بابونَ مغلوبٍ
مع أني أكثرُ  قردِ بابونَ بارعٍ
 من بينها جميعاً، جميعاً، جميعاً!

...........................
(*) وليم بوروزWilliam S. Burroughs(1914/ 1997). روائيّ وقاصّ وفنان وناقد، وأحياناً شاعر، له قصائد متفرقة، من أبرز مبدعي جماعة "البيت" Beat Generation، طليعيّ ما بعد حداثيّ، انتهاكيّ ساخر، من رواياته: غداءٌ عارٍ، شاذ، مدمن، المتوحشون: كتاب الموتى، ثلاثية ليل أحمر: مدن الليل الأحمر/ محلّة الطرق الميتة/ الأراضي الغربية، ميناء القديسين. ومن مجموعاته القصصية: مترو أنفاق أبيض، شارع المصادفة، الخطايا السبع المميتة، قطة بالداخل. (م)
(*) اللوحتان، للشاعر نفسه: وليم بوروز. 





[1]John Dillinger: لصّ بنوك مات في الثلاثينيات بأمريكا، ثمة نظريات للمؤامرة تقول إنه وضع تحت الحماية القانونية ولا يزال حياً. (م)
[2]Thanksgiving: عيد الشكر، يُعقد في الخميس الرابع من نوفمبر، وهو عيد علمانيّ لشكر الربّ على النعم. (م)
[3] من شعائر عيد الشكر تناول الديوك الرومية. (م)
[4]Bison: ثيران أمريكية صديقة الهنود الأصليين، قُتل منها 50 مليوناً لمجرد اللعب والمزاح، بعد فتح أمريكا. (م)
[5]Coyote: نوع من الذئاب البرية، يعيش شماليّ أمريكا، وفي أمريكا اللاتينية يسمونه الثعلب الإسبانيّ. (م)
[6]KKK: جماعة أمريكية عنصرية، كانت تُحرق السود على الصلبان. (م)
[7]AIDS: ثمة شائعات أن الإيدز من تصنيع المخابرات الأمريكية. (م) 

الثلاثاء، 27 ديسمبر، 2016

حريمي : ها رون الرشيد (1)


بقلم: فاطمة المرنيسي
ترجمة : سعيد بوخليط
http://saidboukhlet.com


كلما فكرت في الحريم، يحلق خيالي اتجاه القرون الأولى من تاريخ الإسلام. بعد موت الرسول محمد في السنة الحادية عشرة هجرية (632 ميلادية). تعاقبت دولتان على حكم العالم الإسلامي : الأمويون (750-661) وعاصمتهم دمشق، ثم الدولة العباسية (1258-750) التي اختارت بغداد مركزا لحكمها. لا يقل، عن 51 خليفة حكموا خلال هذه الحقبة الزمانية، إلا أن الاسم الذي يقفز إلى ذهني من بينهم جميعا، هو هارون الرشيد. اسم، جعل العرب يحملون منذ القرن التاسع. يتمثل أحد عوامل ذلك، في مزجه السحري بين خصائص فيزيائية وذهنية، اتصف بها : كان هارون الرشيد شابا وسيما،رياضيا، ذكيا، وأيضا مثقفا جدا، له طموحات كبيرة على المستوى العسكري. تميز، بخبرة حربية وقدرة عظيمة على ممارسة شؤون الحكم. لكن، مع كل ذلك، يبدو أنه كان عاشقا كبيرا. لم يزعجه الوقوف على انكساراته، حينما يتحول إلى عاشق. يمارس حبه، بنفس التوقد الذي يظهره على جبهات المعارك، ويعبر إراديا عن الأحاسيس التي تلهمها إياه عشيقاته. بل ذهب به الأمر غاية الاعتراف، بأن رجلا مغرما قد يجازف، بافتقاد سلطته أمام النساء. هذا الاعتراف بالضعف، يعد أحد أكبر مفاتنه. من منكم، لم يصبه رعب التحول إلى موضوع للسخرية، حينما يكشف عن حبه لامرأة، لا تبادله أي شعور. ثم، يقف بطريقة متضايقة متجمدا خلف تجاوزاته ؟ هارون الرشيد، لم يرهبه الوقوع في مثل هاته الوضعيات الحساسة.
تظهر حكاية استلهمته في كتاب "ألف ليلة وليلة"، مثل زوج تعيس خدعته وخانته جارية  خائنة، قامت بإغراء أحد موسيقييه الخصوصيين،كان يمر في الشارع. هكذا دعته للالتحاق بها، ولتسريع الأمور ألقت له بسلم من نافذة القصر، كي يتسلق.
ولد هارون الرشيد يوم 16 فبراير 766 (146هجرية) بمدينة راي Rayy، الفارسية التي لازالت أطلالها قائمة إلى يومنا على بعد كيلومترات من جنوب طهران الحالية. وحسب كل الشهادات، كان جميلا، دون أن يجعله ذلك سطحيا أو مزهوا. إنه في جميع الأحوال خليط نادر، للبحر الأبيض المتوسط. مؤرخوا الحقبة ـ أغلبهم رجال ـ وصفوه كما يلي : "لون جلده فاتح جدا، طويل، يشع منه وقار كبير وفصاحته تبهر. كما أنه ضليع في العلوم والأدب". كان يظن أن رشاقة الجسد تتعلق بتلك التي للفكر، بالتالي، تعهد بنمو أحدهما وكذا الآخر.
يعتبر هارون الرشيد "أول خليفة حوّل إلى معطيات جماهيرية، ألعاب البولو Polo، ومباريات الرماية بالقوس، ثم كرة المضرب، ويقدم مكافآت للمتفوقين في هاته التخصصات الشعبية. كان أول  خليفة عباسي مارس لعبتي الشطرنج والنرد. ويبدي إعجابه اتجاه أمهر اللاعبين مع منحهم تعويضات. بهاء ورخاء حكمه، جسد ما يسمى في تلك الحقبة "الأيام الذهبية". لكن، لو اكتفى هارون الرشيد بكونه فقط لاعبا ممتازا في الشطرنج، فسيُنسى بسرعة كما هو حال اليوم أغلب أغنياء البلدان البترولية المنغمسين في الملذات. ذلك، ما أدركه الخليفة وهو يتوقف عن اللعب للانكباب على العمل.
تعتبر كلمة "وسط" مدخل أساسي للحضارة العربية، وهي تدل على الطريق المعتدل بين طرفين نقيضين. لقد، تعلمنا منذ الطفولة الحفاظ على التوازن بين العقل واللذة، الفكر والجسد. على النقيض من المسيحية التي فصلت بشكل قاطع بينهما، من خلال التسامي بالفكر مقارنة مع الجسد، تميز الإسلام بموقفه الكوني المتوازن جدا. لم يقف هارون الرشيد، عند حدود الاعتناء بملذاته بل : "يؤدي بانتظام واجباته كحاج بالموازاة مع خوضه لحرب مقدسة. فقد شيد آبارا وصهاريج وكذا مآوي على امتداد الطريق المؤدية إلى مكة (...). عمل، على تعزيز الحدود، وتعمير كثير من الحواضر،وتحصين مدن عدة، أنجز مشاريع هندسية لا تحصى، كما شيد منازل للضيافة.
إن الحاكم الجيد، يضع مصلحة شعبه في مقدمة اهتماماته، غيرمتردد في فتح خزانة ماله قصد مساعدة أصحاب الحظ السيئ : ((سنة 189 (810 ميلادية)، أدى فدية عن الأشخاص الذين وقعوا أسرى عند الرومانيين (البيزنطيين)، بحيث لم يعد لديهم أي مسلم أسير)). بل وحتى هذا لا يشفع إعادة تولية الخليفة عبر القرون، فمن الضروري أن يكون قائدا حربيا كبيرا : ''سنة 190، تمثل من جديد هيرقليس فانتشرت قواته على كل الأراضي الرومانية"، تلك، معركته ضد العالم المسيحي، تحول معها إلى بطل إسلامي. لقد، ردد تلاميذة جيلي رسالته الشهيرة إلى الإمبراطور البيزنطي "نيسفور": ((بسم الله الرحمن الرحيم، من خادم الله، هارون الرشيد، أمير المؤمنين إلى نيسفور كلب الرومان. حقا، فهمت تعابير رسائلكم ولديّ جوابكم. لن تسمعوه، ولكنكم سترونه بأعينكم)). فعلا، سيجد "نيسفور" أمامه جيشا متحركا. يحيل موضوع هذه الرسالة على معاهدة وقعت عليها الإمبراطورة إيرين (882-797) أمّ نيسفور، بعد غزو هارون لبيزنطة. رفض، الإمبراطور الجديد بعنف مضمون الوثيقة، فكتب إلى الخليفة : "من نيسفور ملك الرومان إلى الرشيد ملك العرب، ما يلي : هذه المرأة رفعت شأنكم وكذا أخوكم و أبوكم إلى رتبة ملك، وانحدرت هي إلى صف الرعية. أما، أنا فسأعيدكم لموقعكم وسأغزو أراضيكم  ومدنكم إذا لم تسددوا ما أدته لكم هاته المرأة. الوداع". اشتد الغضب بأمير المؤمنين، بحيث قرّر قيادة جيشه بنفسه وعدم التراجع قبل تحقيق انتصار شامل : "توغل الرشيد داخل الأراضي الرومانية دون توقف. يقتل، يسلب، يغنم، يحطم،
ويقضي على الأقوياء إلى غاية وصوله الطريق الضيقة التي تفضي إلى القسطنطينية. لكنه سيكتشف بأن "نيسفور" قطع الأشجار واعترض بها الطريق ثم أشعل
النار فيها (...). بعث "نيسفور" إلى الرشيد بمجموعة هدايا واستسلم بإذلال، ثم أدى ضريبة الجزية عن نفسه وعشيرته".
أيضا، لو بقي هارون الرشيد مجرد محارب، فلن يظل عالقا بالذاكرة. بل، يتجلى الأمر في قدرته على وقف المعركة  والابتهاج بالحياة ثم الالتفات إلى ملذاته المرهفة والشبقية، التي جعلت منه بطلا حقيقيا. لقد كرّس  لها شبابه (كان يبلغ من العمر 21 سنة حين توليته العرش، وتوفي عن سن 42 سنة).
هذا الوجه الرومانسي لشخصيته، أخذ صورة خالدة جراء الروايات الكثيرة
التي تداولها الحكواتيون العموميون ببغداد، وهم يكتشفون باستمرار "ألف ليلة وليلة".
المرأة الأولى، التي أحبها هارون الرشيد وهو في سن السادسة عشرة، كانت ابنة عمه زبيدة، أميرة متكبرة. احتفلا بزواجهما، داخل القصر الأسطوري المسمى : الخلود. يقول، ابن خلدون أحد مؤرخي الفترة الأكثر اتزانا : "لقد تقاطر الناس من كل الأمكنة. وبهذه المناسبة وُزعت مبالغ مالية لم يشهد لها الإسلام من قبل مثيلا". كثيرة هي الوثائق، التي تطرقت إلى تفاصيل شغف الرشيد بزبيدة والبذخ الذي أحاطه بها.
يروي المسعودي : " لقد كانت الأولى التي تناولت الطعام في أواني من الذهب والفضة، تزينها أحجار نفيسة. الملابس الأكثر نعومة بالنسبة إليها، تلك التي نسجت بحرير متعدد الألوان يسمى "واشي" حيث مقياس واحد يساوي 50 ألف دينار. هي، الأولى التي اصطحبتها حراسة تتكون من ذكور تعرضوا لعملية
خصاء وعبيد يصطفون بجوانبها يمتثلون لأدنى أوامرها، ويطبقون إشاراتها. هي، الأولى أيضا التي استعملت محملا فضيا من الأبنوس وخشب الصندل، مع أقفال من الذهب والفضة. ابتكرت موضة النعال المزركشة بأحجار ثمينة وكذا
المصابيح ذات الإنارة الرمادية، نماذج ستنتشر داخل كل البلد".
على الرغم من خيلاء زبيدة وعشقها للترف، فقد أظهرت اهتماما كبيرا بالوسط ومعطيات التمدن : بالتالي، كانت مصدر إلهام بناء الأحواض المتواجدة على الطريق الرابطة بين بغداد ومكة، من أجل تسهيل السفر إلى الحج. بخلاف،
المؤرخين العرب المعاصرين، الذين يبغضون النساء وتعميهم نزعتهم المحافظة، فإن نُظرائهم إبان العصور الوسطى، لم يجدوا أية مفارقة بين زوجة للخليفة،
بقدر ما هي جميلة ومتغنجة، تخوض أيضا في القضايا العمومية وتهتم بوقائعها الدقيقة.
تعلق هارون الرشيد، بزبيدة، لم يمنعه حينما تبوأ العرش أن يضع رهن إشارته جواري، من كل بقاع العالم : "جاء في شهادة لأحد كُتّاب الأخبار :
"توفرت للرشيد ألفي جارية بعضهن يتقنّ فن الغناء (...) لكن أغلبهن يتزينّ بالجواهر". لأنه في هذه الحقبة، لا يمكن لمسلم أن يستعبد مسلما آخر (وهو ما لم يحدث أيضا بعد ذلك) فأغلبية الجواري قدمن من بلدان تعرضت للغزو منذ عهد قريب، بالتالي فهي أجنبية. تبرز، مواهبهن مع ما يحملنه من أشياء غريبة وكذا خاصيتهن الثقافية. لكن، حتى تصبح الجواري مغنيات، يتحتم عليهن
الخضوع لتكوين صعب : فإلى جانب التقنيات الصوتية والآلية، يجدر بهنّ إتقان اللغة العربية وبنائها النحوي المعقد، في أفق تنافسهن مع نجمات محليات
مثل الجارية "فضل" باعتبارها النموذج الأعلى الذي يُحتذى به، فهي مثال للمغنيات العربيات طيلة قرون : "كان جلدها داكنا، تمتلك معرفة أدبية واسعة (أديبة)، جارية بليغة وصاحبة مهارة رائعة على مستوى الردود السريعة". روايات أخرى، استحضرت قدرتها على تضليل محاوريها من خلال تلاعبها بالكلمات وإذهالهم بتشكلات لسانية غير متوقعة. موهبة، تقدر حتى أيامنا في الأمسيات العربية :
"تعتبر "فضل" من بين أجمل مخلوقات الله. كان خطها رائعا، وتفوقت على أقرانها بفصاحتها حينما تتكلم، ثم تهيئ بوضوح  دلائلها عندما تنخرط في نقاش...".
باستثناء صعوبات إتقان اللغة العربية، بالنسبة لكل جارية تتوخى اقتفاء نموذج جارية محلية كما هو مثال "فضل"، فأن تكوني أجنبية في بلاط العباسيين لم
يشكل قط عائقا. بالطبع شجعت الحضارة الإسلامية التعدد ونظرت إيجابا لكل ما هو أجنبي وكافأت كل من يتكلم لغات مختلفة وتردد على ثقافات  شتى. في ظل سلطة العباسيين : ((أتى العلماء والسياسيون والشعراء والمؤلفون من مناطق عديدة. هكذا نعثر إثنيا على كل الأجناس، البيض، السود وكذا الملونين. أما بخصوص الديانات، فنجد المسلمين إلى جانب اليهود والمسيحيين وكذا الصابئة والزرادشتيين. ثم، بموازاة العربية نسمع الأرمينية والفارسية والتركية. إن استثمار التباينات باعتبارها امتيازات والتعامل مع ما هو أجنبي كلحظة طارئة تتعزز معها المتعة، أعطى لبغداد هذا التنميق الكوني، الذي ضمن لها إشعاعا استمر طيلة قرون)). كتب، جمال الدين بن الشيخ : "بلغ ثمن مغنية متميزة 3000 دينار، وتحددت الأجرة السنوية لشاعر مثل ابن زيدون في 500 دينار. أما، البنّاء فيكتسب درهما واحدا في اليوم. وبدرهم، يمكننا شراء ثلاث كيلوغرامات من الرغيف".
بقدر ما تكون الجارية مهذبة، تسعد أكثر سيدها وتزداد قيمتها. ذلك، ما حدد أهم مميزات الحريم  العباسي خلال العصر الذهبي. تجار العبيد يدركون
نمط النساء القادرات على إرضاء الخلفاء. مثلما هي حالة المأمون، ابن هارون الرشيد وخليفته " لقد سمعت تاجرا للعبيد، يقول ما يلي : أظهرت للمأمون أمَة موهوبة في نظم الشعر والبلاغة، مثقفة جدا، تتقن لعبة الشطرنج، طلبت بخصوصها 1000 دينار. فأجابني، بأنه سيدفع الثمن المطلوب بل وأكثر، إذا استطاعت الرد على قصيدة هجاء ارتجلتها جارية أخرى". كان الخليفة المأمون، يحب خاصة ممارسة لعبة
الشطرنج صحبة امرأة قبل توجهه إلى الحرب، بغية شحذ ذهنه، ومنح ذاته اهتزازت "ظنا منه بأن التباري بين لاعبين، لا يمكن أن يصير ملتهبا إلا إذا تداخلت فيه الأجساد والأنفس معا". نعرف، بالتأكيد اليوم مع كل التحاليل التي نتوفر عليها حول الإغراء المذهل للرياضة، وكذا البعد الإيروسي الذي ينطوي عليه التنافس. لكن في حقبة الخليفة المأمون، فمثل هذا المفهوم للعبة الشطرنج يمكنه أن يدهش أكثر من واحد. إن، ما يجذب الخلفاء نحو رغباتهم الشبقية، طبعا، هو استعداد المرأة للمواجهة
والمنافسة على قدم المساواة، وليس انهزامها وخضوعها القبلي. مادام، أن رباط الحب يشبه عند هؤلاء الخلفاء مجالا للصراع يشكل الارتياب قاعدته الوحيدة التي تدير الصلة بين الأطراف. يصعب إذن، تخيل هؤلاء الخلفاء المبتسمين، ينطقون كلمة "الحريم"، لكن ما يدهشنا شيئا ما، توفر العرب على مائة كلمة تعني "أحبك" بينما لا تتضمن اللغات الأخرى إلا واحدة.
في القرن الرابع عشر ، أخذ الكاتب ابن القيم الجوزية على عاتقه مشقة حساب عدد التعابير العربية التي تشير إلى كلمة "أحبك" ثم استجمعها في عمله : روضة المحبين.
برؤية بارعة، وضح ابن القيم الجوزية أن مثل هذا التفتق ليس بالضرورة إشارة جيدة. فالعرب، حسب رأيه، لا تبذل مجهودات كثيرة إلا لتسمية الأشياء المعقدة والصعبة على التناول أو الخطيرة. على كل حال، حينما تتعدد الكلمات لتناول كل تحققات ظاهرة ما، فمن أجل تخليدها. مع ذلك، كثيرة هي الكلمات المحصية التي تحيل على الحب، كسبيل إلى الخبل الذهني أو التيهان. نجد كذلك، الحديث عن القفزة في الفراغ (الهوى)(2). أيضا، اقتُرن الحب غالبا هنا بالحمق (جنون، ولع...) أو أقصى أنواع المعاناة (حُرقة، شجن...). مع ذلك، فأجمل الاكتشافات التي وقفت عليها بين طيات قائمة الجوزية ـ وجدت فيها عزاء وأعطتني أملا ـ هي التعابير الإيجابية، وقد بينت الحب في صيغة صداقة متميزة، حيث يقودكم الود إلى الحوار (المحبة) وينسج بين الشركاء ألفة عذبة. خاصة، حسب الجوزية، فإن الإحساس بالحب يفوق مفعولة تأثير الفياغرا (وأضيف أرخص ثمنا) لأنه يبعث فيكم القوة والطاقة.
الحب مصدر المقدرة ...، مفهوم مألوف لدى الروحيين ولاسيما المتصوفة. لكن أيضا، النسبة لنا جميعا أصحاب التطلعات الروحية المتواضعة جدا.
وفق تصور ابن حزم، رجل سياسة وخبير في القانون الإسلامي خلال القرن الحادي عشر ،الذي كرس دراسة لأسرار العواطف، يعمل الحب على تحويلكم إلى درجة أن يدهشكم ذلك حقا : "إن رجلا عاشقا، سيبلور إمكانياته حتى أقصى الحدود، وبشكل لم يكن يتصوره قبل ذلك (...) في أفق أن يبدو ملائما وتتوجه الرغبة إليه". ثم، يتابع : "كم هي المرات التي نشاهد فيها بخيلا يفتح كيس نقوده، والشرس يبسط حواجبه، والجبان يسرع للمعركة، والأحمق يبيح بكلمة عاقلة، والفظ يتصرف كإنسان نبيل، ثم رث الثياب يتقمص دور المتأنقين، والأخرق يصبح دقيقا، والشيخ يستعيد فتوته، أما الورع فيصير سافلا، والخجول يستعرض ذاته، كل تلك الأشياء تحدث بالحب !". ينقلك الحب إلى ما وراء حدودك، نحو آفاق لم تفكر فيها قط. كثيرة، هي كلمات ابن القيم الجوزية التي وصفت الحب باعتباره هياما، خطوة إلى المجهول،  مغامرة في أرض غريبة. مثلما، أن المغامرة مجازفة بالنسبة للجميع، فالأمر يزداد حدة عند الخليفة : لذلك، لم يفسح هارون الرشيد المجال للصدفة كي تصنع له  غرامياته. لأنها منظمة ومصممة مثلها مثل المعارك. من أجل اختراق عالم الأحاسيس العاشقة دون تعذيب ولا اضطراب، يجب أن نستبقي للذة منطقة زمان استثنائي، ونتهيأ لها كما نحضر لحفل ديني. لكن، إدراج اللذة في إطار برنامجه المقدس، لا يعني زحلقة يوما أو يومين للراحة أيام سفر مثقل بالأعمال. على النقيض، الأمر يعني فقط تغييرا للأوليات، التخطيط لأسبوعين قصد الاستجمام وربطها عند الاقتضاء بسفر الأعمال. ذلك، ما استوعبته على الأقل، وأنا أدرس كيف كان هارون الرشيد يرتب مجلسه، "لحظة متعته".
الهـــوامــش :
(1) Fatéma Mernissi : le Harem Européen, éditions, le Fennec, 2003, PP 135/146.
(2) يقابله في الإنجليزية fall in love، أما مع الفرنسية فنجد تعبير "Tomber amoureux".