الجمعة، 9 ديسمبر، 2016

[الدولة العبرية : من هو المثقف الذي يجرؤ على الانتقاد؟]


بقلم الباحث: سعيـد بوخليـط
الموقع الاليكترونيhttp://saidboukhlet.com/: 
تلك المعادلة الملتبسة والعنكبوتية جدا،بين السياسة والثقافة. ستأخذ بعدا صريحا وواقعيا دون التباس ولا تأويل ولا إرجاء، لحظة التأسيسات التاريخية المفصلية، التي تضيف جديدا مختلفا غيرتراكمات مبتذلة.
 بمعنى، حين بروز وقائع قيامية، ترتقي بالإ نسانية نحو مسارات مصيرية. فالثورات والحروب والكوارث والأزمات الدولية الخانقة ،إلخ. هي تحققات تجعل مباشرة من السياسة رؤية ثقافية، أي لزومية استحضار المثل والأخلاق والترميزات والرمزيات من قبل الفاعل السياسي. كما أن الثقافة، تترجل عن جوادها المحلق باستمرار بين مدائن الحلم والممكن والرغبة الشخصية، كي تحاول مزج كل ذلك في فعل مؤسِّس.
أعتقد بأن المقولة الشهيرة :  المثقف موقف. إن كان يحق لها، أن تظل منسابة وطرية وخصبة ومنفتحة ومتسامحة... ،لما تكون الإنسانية مكتفية بكسل قناعاتها، مع تتابعات رتيبة لتاريخ سانكروني، فإن التعريف عينه يتخلخل ويفقد ألفته، حينما تواجهنا حتميات ثانية ويتدفق التاريخ بطريقة دياكرونية.
إن مانعيشه حاليا من توالد سريع للأحداث، سينتهي حسب مداه المجتمعي إلى إعادة توضيب ليس فقط للخريطة الجيوسياسية في المنطقة العربية وتأثيرات ذلك عالميا، نظرا لمحورية الشرق الأوسط في السياسة الدولية، ولكن خاصة المنظومة الأخلاقية و الإيتيقية التي تمثلتها الإنسانية حتى عهد قريب. والمثقف مساهم مجتهد لامحالة، في تثبيت أعمدة خرائط الطرق التي تنبجس حاليا رويدا رويدا بين الدم والنيران.
هناك شبه إجماع لدى أغلب المحللين السياسيين وأصحاب الرؤى الاستراتجية، على وصف تقاعس الفاعل السياسي الأوروبي حيال الجرائم الفظيعة الجارية حاليا في سوريا،  ونفاقه الجلي قياسا لما فعله سابقا في العراق أوليبيا "البتروليين"، ومناطق أخرى في العالم تزخر بثروات أخرى إما طبيعية أو لوجيستيكية. أن سوريا لاتملك حقا ذهبا أسود، لكن نظام عائلة الأسد خدم وسيخدم باستمرار المشروع الاسرائيلي. فقد تأكد بالملموس، أنه جار يسوّق فقط كلاما مجانيا أو بيّاع بطيخ حسب التعبير العامي للشامييين ، لذلك فصقور كحمائم الدولة العبرية، يتمنون من أعماق قلبهم، أن تحافظ اللعبة السياسية على نفس مكوناتها السابقة وفق اللوغوس ذاته.
هكذا، لما تحضر إسرائيل، تتلاشى في المقابل مباشرة وبطريقة آلية الأنوار الأوروبية التي رسخت أدبياتها مبادئ العقل والحرية والعدل والعدالة والحرية.ربما أصبحت إسرائيل جزءا من علمنة المقدس؟ ومكبوت بين طيات الحداثة الغربية؟ إن كان الجواب إيجابا، فالمسألة تشي بإخفاق مرعب لتلك الحداثة، باحتضانها القيمي والمؤسساتي لمجموعة إنسانية-أتحدث هنا عن المرجعية الصهيونية- تستمد نسغها الجوهري، من عقيدة عسكرتارية وعرقية شوفينية متخلفة جدا، تحاول جاهدة أن تجد لها في اللاهوت مبررا. أما الجواب بالنفي، بمعنى إسرائيل مجرد ولادة قيصرية خاطئة للعقل السياسي الغربي، فترة هيجانه الإمبريالي، جراء اختلال في بنية المجتمعات الأوروبية بين الثقافي والسياسي  لصالح الأخير طبعا؟ حينئذ سيعتبر الأمر مجرد عثرة للتاريخ، ستصحح ذاتها آجلا أم عاجلا.
إذن حينما نسلم  بالأطروحة الأخيرة، بمعنى إسرائيل ولاية غربية أرسيت دعائمها في جوف المنطقة العربية لأغراض محض سياسية، دون أن تتوفر لها شروط البناء الحضاري سوى كهنوتية "الحق الالهي" و "أرض الميعاد" ثم محاولة أدلجتهما مدنيا بالهولوكست النازي، سندرك درجة الثراء الأخلاقي والروحي والقيمة الوجودية ونبل  الأصوات الثقافية، وإن كانت في أغلب الأحيان مبحوحة، التي تحاول بكل ماأوتيت من قوة القبض على الجمر، أن تعيد للسياسة الغربية رشدها وتعقلها، وتذكر صاحب القرار ببنود ميثاق الشرف الأوروبي، الذي تسامى بأوروبا بعد حقب طويلة من الظلام  الجهل والتخلف والتمزق والصراعات الطائفية والدينية والمذهبية والحروب ، إلى كتلة سياية متحضرة و متطورة تشرئب دوما إلى العلم والتطور.
إذا كان الحديث عن إسرائيل، بتأويلها الصهيوني الاستعماري، داخل المنتديات الغربية يعتبر جريمة سياسية بكل مافي الكلمة من دلالات تجر صاحبها إلى مقصلة الإعدام، فإنه أيضا كل إشارة تحتفي بالمتورطين من قريب أو بعيد، ستوسع حتما من حلقة الإتهام. هكذا، يستحيل أن نصادف اليوم بين صفحات منبر إعلامي غربي سواء كبر شأنه أو صغر، على دراسة أو دراسات لتلك الضمائر النخبوية التي مافتئت تميط اللثام بشجاعة عن البربرية الإسرائلية تجاه الفلسطينيين، وبين طيات ذلك البهتان الغربي المهين لنفسه قبل غيره.
جريمة الصمت هذه، أوجدت لها بمكر تهمة جاهزة : معاداة السامية أو ملاحقة أطياف النازيين الجدد الهائميين بروح هيتلر. بالتالي، ضرورة محاصرة العدوى، بل واقتلاع جذورها. تحضرني فقط، واقعة  السيد كورت فالدهايم الأمين العام السابق للأمم المتحدة.
صحيح، المثقف الغربي إنسان حر، وشخص يتمتع بكامل مواصفات المواطنة،ويحظى بموقع سوسيو ثقافي متميز، ويؤثر بزخم في حركية مجتمعه، وله وضعه الكاريزمي المرموق الجدير طبعا برصيده الفكري والإبداعي. ألم تدفع كتابات ميشيل فوكو المسؤولين الفرنسيين إلى تعديل  فصول من قانونهم الجنائي؟ بعد أن اكتشفوا من خلال كتاباته درجة معاناة المعتقلين والمجانيين والمهمشيين.أما سارتر، فلم تتجرأ الا ستعلامات الفرنسية على اعتقاله، رغم وقوفها على مسؤوليته المباشرة في التحريض على التظاهر سنة 1968. وعندما نقلوا المعلومة إلى دوغول، أجابهم بهيبته المدوية ما مضمونه : أتريدون اعتقال فولتير؟ وفي رواية أخرى : سارتر هذا عقل فرنسا. تخيلوا معي المصير غيرالمتخيل !! الذي كان سينتظر سارتر لو قدر له أن يكون في كنف حاكم عربي؟؟.
لكن داخل دوائر هذا الغرب المتحضر ذاته، تقلب الطاولة تماما في وجه كل من همس بأقل كلمة تخدش الجثة الإسرائيلية.
إذن إسرائيل خط أحمر، والمثقف الغربي الذي لم يعد حقا من طينة نموذج العقود السابقة لا سيما الستينات والسبعينات والثمانينات، أي ذاك المثقف الموسوعي صاحب النزعة الإنسانية الذي يوزع حلقات مشروع كوني أكثر منه مجتمعي، بين الحزب والنقابة والجامعة والمنظمات الشبابية والمؤسسات الأكاديمية والحلقات الدراسية ثم الشارع. بل هو اليوم بالكاد مجرد حامل لمعارف ، مستكين إلى أبجديات تخصصه في أفضل الأحوال، منفصل تماما عن مجريات العالمي،والأسوأ أن يتشيأ حيال منظومة لم يعد يرجو منها إلا بقاءه البيولوجي. أقول بأن هذا المثقف تنبه جيدا إلى عش الزنابير، الذي تشكله قوى الضغط الصهيونية التي تسربت إلى أهم المنافذ المفصلية التي تقوم عليها الدول في العصر الحالي سياسيا واقتصاديا وإعلاميا.بل أحيانا الحياد لايجدي، لذلك فباب الإ رتقاء المجتمعي والفكري، يصير مشرّعا على مصراعيه إذا تأتى لهذا المثقف إتقان الترويج للدعاية الصهيونية : كم هي الأسماء الضحلة التي ينفخ فيها الإعلام حد التوثين فقط لأنها وصفت الفلسطينيين بالإرهابيين؟
لقد تابعنا ، حيثيات قضية الأديب الألماني "غونتر غراس"الحائز على جائزة نوبل سنة 1999. حينما نشر في صحيفة نيويورك تايمز قصيدة بعنوان" ما ينبغي أن يقال"، انتقد عبر مقاطعها الترسانة النووية الإسرائلية، وكذا بيع بلده ألمانيا قطع السلاح لإسرائيل ولا سيما الغواصات القادرة على اطلاق الصواريخ النووية، كما حذر من العواقب المدمرة التي ستترتب في حالة شن حرب على إيران. ولم يكد ينتهي الرجل من كلامه، حتى قذفته قيادة تلءبيب بمختلف الشتائم في مقدمتها الوصف الجاهز عدو السامية وكذا النازي المعتوه. وبادر وزير الداخلية الإسرائيلي إلى مطالبة لجنة نوبل أن تسحب من غراس الجائزة. أيضا، تعرض لحملة مسعورة داخل بلده ألمانيا ، حتى من قبل تنظيمه الحزب الا شتراكي الديمقراطي الذي سارع إلى إلغاء مشاركته في حملته الإ نتخابية، وقد نسمع غدا أو بعد غد عن تهديده بالقتل خاصة وأنه متشبث برأيه رافضا الإعتذار أو التراجع عن انتقاداته.هي مجرد قصيدة،أجمعت بعض الآراء على ضعفها من الناحية الفنية ولا ترقى إلى ما يكتبه أصلا غراس،مع ذلك أخرجت الثعابين من جحورها.
وضع يستعيد بشكل من الأشكال، مصير غارودي المنظّر اللامع للماركسية سابقا، لما أقدم على نشر كتابه "الأساطير المؤسسة للسياية الاسرائلية"(1996) ،فقد تحرك بقوة اللوبي الصهيوني الفرنسي، كي يحاصر أنشطته ويحظر كتبه.وقد ظل غارودي بالفعل ،محظورا إعلاميا حتى وفاته يوم 13 يونيو الأخير عن سن التاسعة والتسعين.
لقد تعامل دائما "الضمير" الأوروبي مع المسألة اليهودية بنوع من جلد الذات والإحساس العميق بعقدة الذنب –على حساب الحق الفلسطيني- بدعوى الإضطهاد التاريخي الذي اختلفت وتضاربت  حوله التقييمات من طرف الأوروبيين أنفسهم،لا سيما لدى الباحثين المتجردين عن كل حساسية عقائدية والمترفعين عن الحسابات الإنتهازية الضيقة.
يحضرني في هذا المقام، كتاب أصدره  المفكر المرموق ريجيس دوبري والمعنون برسالة إلى صديق يهودي، والمقصود به " إيلي بارنافي" السفير الإسرائيلي السابق في فرنسا. حيت طرح حقيقة ، بطريقة مضمرة سؤالا أنطولوجيا مؤرقا جدا، مفاده :  إلى أين تذهب اسرائيل؟
دوبري، المتعقب لمباحث عديدة تتراوح بين الفلسفة والنقد والدين والرواية والسياسة ... ،وتنصهر جميعها في روح المناضل الثوري الفذ الذي خبر عمليا في شبابه السلاح وعاشر عن قرب رموزا كبيرة مثل غيفارا وكاسترو وسالفادور أليندي، بدت حقا أطروحات عمله شفافة لاتنم عن أية كراهية، وبقلم وموسوعية لا نظير لهما في الفكر الفرنسي باعتراف "معارضه" الصحافي الاسرائلي "ستيفان أمار"الذي تكفل بمهمة الرد على دوبري ودحض رؤيته الرافضة لمنظومة السياسة الإسرائلية بمرجعياتها و أهدافها ووسائلها وماهيتها واستراتجيتها و تعاملها الإحتقاري مع الفلسطينيين بأسلوب لايمكن وصفه إلا بالأبارتيد.
بناء عليه ألمح دوبري بطريقة ذكية، عند نهاية الحوار الذي أجري معه،أن كثيرا من أصدقائه الإسرائليين، قد شرعوا في مجابهة أنفسهم بأسئلة مصيرية وراديكالية تصب في مجملها عند سؤال :  هل بوسع إسرائيل البقاء لفترة أطول،على الرغم من حيويتها الاقتصادية؟
إن ريجيس دوبري،  وهو يفضح النزوع الإسرائيلي نحو عقائدية وطنية وإتنية، يُعبر عن وفائه الأخلاقي لاختياراته الفكرية المنحازة دائما إلى العدل والحرية، بالتالي مقاومة كل أشكال الاستعمار. لكنه، هنا ولاسيما باعتباره مثقفا أوروبيا، يبتغي صادقا تخليص قارته من هاته الرقابة الذاتية الكابحة. ففي فرنسا مثلا، قليلا هم الكتاب والصحافيون الذين يتوفرون على الجرأة والشجاعة كي يفضحوا التعصب الديني الإسرائيلي. في المقابل، يبدو لهم من اللائق أكثر التصدي لحركة حماس. يقول دوبري : ((قضية نجازف، مع كل كلام عنها، بأن نصعق كهربائيا)). وضع، سيحاول البحث عن أسبابه، من خلال تبين معطيات اللاوعي التاريخي الإسرائيلي والخلفيات الذاتية المتوارية.
إسرائيل التي تمارس البربرية اتجاه الفلسطينيين، هي التي انتقلت من دولة لليهود حسب تعبير المؤسس "تيودور هيرتزل"، إلى دولة يهودية تخضع الأراضي باسم إله يستوطن التاريخ، وفق لا نهائية مقدسة "وصارت الإلياذة إنجيلهم، أي قصيدة أبدية للقوة". في السياق ذاته، تحول ما عرف بالمحرقة إلى نقطة مشتركة موحدة لجميع الأوروبيين، بل مثل مركز مقدس متعالي ((لكنه مقدس سلبي، شيء نتجنب قطعا رؤيته ثانية، وفي إطار هذا الرفض تبلورت أوروبا)). لذا، سيبذل رؤساء الدول والحكومات، أقصى ما في وسعهم، بغية التعبير عن مواكبتهم لطقوسها واحتفالاتها التذكارية. من هنا، ضرورة إرجاع الذكرى، يؤكد دوبري، إلى إطار موضوعي وتفسيري والتخلص  من الحمولة العاطفية التي تضفي هالة قداسة مرعبة على ّ"الكره المطلق"، وازع يقتضي عملا دؤوبا للأصوات الباسلة المنتمية إلى المجتمع المدني. إن استحضار، دراسة أصيلة كتلك الصادرة سنة 1944 تحت عنوان : [شهادتي أمام العالم ] لصاحبها "جان كارسكي"، أبرزت اضطهاد اليهود فقط في فصلين من بين ثلاثين فصلا. لكن، مع بداية 1960 اتخذت الواقعة منحى غريبا، وكأن دوبري يتوخى التشديد على أن بتر الأحداث من سياقها التاريخي، يطبعها بكثير من الالتباس  وسوء التقدير. لهذا، ينبغي التخلص نهائيا من المذهب القائم المنمّط لمعرفتنا بالمحرقة كي توضع الأمور في نصابها الطبيعي والقطع مع التيولوجيا التي تقود على الفور إلى العهد القديم، وما تنطوي عليه من تميز لشعب مختار، ثم تصير الديبلوماسية خداعا، بحيث لا تسوية ممكنة على أرض مقدسة. أيضا، وبجانب كارسكي من المفيد جدا، قراءة كتّاب إسرائيليين آخرين، مثل "أفراهام بورغ" الذي أنجز سنة 2007 دراسة تحت عنوان : [هزْم هيتلر، من أجل يهودية أكثر إنسانية وكونية]، أقر فيه، بأن نضال اليهود ضد الحلقة المفرغة الجهنمية التي وُضعوا داخلها منذ عيسو حتى هيتلر مرورا بفرعون، وجالوت وأدريان وفيسباسيان وكذا خميلنيتسكي...، كانت نتيجته عكسية  بحيث فقدوا حساسيتهم بقدر نضالهم، ويعيدون إنتاج نفس ما مورس عليهم، أو بتعبير "بورغ" : ((تتشابه أيادينا مع أيادي عيسو والآخرين)).
إذن، دور كل مفكر سواء كان إسرائيليا، فرنسيا، أو غيرهما، يكمن في إلغاء طابوهات قبيلته. بالتالي، ما الذي يمنع دوبري حسب اعتقاده هذا، من كتابة ما يصرح به الإسرائيلي في الشارع والمقهى ؟ خاصة، وقد بدأ ينتابه الضجر، من سماع ترديد الديبلوماسيين والسياسيين لمقولة أضحت لازمة : ((ما تتحدثون عنه صحيح، لكن ليس في وسعنا قوله)). منطق، بلا شك يغذي مشاعر معاداة السامية والضغينة ضد طفل الغرب المدلّل، كما يجعل مقترحات الأمم المتحدة بلا مضمون واقعي. وأهم ذلك،  استمرار تمسك إسرائيل بلغة الخشب، يعني سعيها  الاختياري لانتحارها الذاتي وبشتى الطرق. مما، يقتضي الأمر، الإقرار نهائيا بحدود لها، وتقطع مع قاموس تراجيدي ومرعب يتضمن عبارات من قبيل : ((القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، غير قابلة للانقسام)).
لقد شكلت الصهيونية، بداية ثورة عقلانية ضد الحاخامية وتمردا على الله، لهذا رفضها في العمق جمع من المتدينين الأرتوذوكسيين. وتبقى ذكرى هيكل سليمان، أهم ما وحد قاعديا الشعب اليهودي. حينما، استقر بالأرض الموعودة وليس أوغندا أو مدغشقر...، تمكن منه ثانية اللاوعي الديني. فوجد، الصهاينة العلمانيون أنفسهم منجذبين اتجاه ماض، توخوا تجاوزه،  لكنهم اكتشفوا فيه شرعيتهم الوحيدة. إجمالا، نقف على مصدرين  للدولة الإسرائيلية، واحدة قامت على الدم والعرق، تنتسب إلى يعقوب، ثم تلك المنحدرة من إبراهيم وموسى. مع النموذج الثاني، لا تعلل إسرائيل قط بمفاهيم "هم أن نحن"، والتمادي في احتقار الجيران، لكن "معهم ذات يوم". فأن، تكون يهوديا يبرره الإيمان اليقيني والعمل بمجموعة قيم، وإلا فكيف بمجتمع على قدر من التطور يتفاعل  مع سينمائييه ومسرحييه وباحثيه ومفكريه الاستثنائيين... التحول ذات يوم إلى قلعة مغالية في التطرف وبنية أصولية يهيمن عليها الجيش، يجيز له إله الطمأنينة كل أعمال العنف ؟ مسار يدق ناقوس الخطر، لذلك التجأ دوبري رغم دعوته الكبرى للعقل إلى الصلاة أيضا، حين تمنى استسلام التوراة اليهودية "العسكرية ذات النزوع الإتني الفظيع" أمام أخرى "كونية على نحو مثير للإعجاب ومسالمة جدا".
أشخاص من عيار دوبري والعالم اللغوي تشومسكي، وبينهما شابة أمريكية مغمورة اسمها "راشيل كوري" سحقتها عام 2003 جرافة اسرائلية، بعد أن تصدت لها بجسدها النحيف كي لا تهدم منازل الفلسطينيين.هؤلاء فقط، من يجعلون العالم حقا  قابلا للحياة.

الأربعاء، 7 ديسمبر، 2016

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
للشاعر الكوريّ: بيوب غيونج
ترجمة: محمد عيد إبراهيم



العزلة
مَن يعيشونَ لأنفُسِهم  
لا يحسّونَ وحدَهم بالعزلةِ.  
لا يهمّ مَن نحنُ،    
فإننا نعيشُ حياتَنا
كي نجرَّ حولَنا ظلالَنا،   
نستديرُ لقَنصِ أيةِ لمحةٍ،  
تُفضي بنا إلى العزلةِ.    
من لا يحسّ بالعزلة؛
فهو أبلَهُ مطلقاً.  
قد نتعبُ حينَ تغمرنا العزلةُ، 
فنحسّ بريحٍ عاتيةٍ  
تمسُّ جانبنا حينَ لا نلقَى غيرَنا،   
فتطهّرُ العزلةُ روحَ المرءِ وحياتَه.    
علينا أن نحسّ، ما بينَ حينٍ وآخرَ،  
بحفنةٍ من الجوعِ كالعزلةِ.    



خلّ الفرح يلزم حياتك  

لازم حياتكَ بالفرَحِ.  
في مكانٍ لا فرحَ فيهِ، لا تمدُّ الحياةُ جذراً لها.  
من الخارجِ لا يأتي الفرحُ، كشيءٍ يُجلَب لنا.  
انظُر للحياةِ برؤيةٍ إيجابيةٍ     
واخلقِ الفرحَ على مزاجكَ.  
وأنتَ منغمسٌ في شؤونكَ اليوميةِ الملموسةِ،   
تعلّم كيف تستمتع بالسعادةِ والعرفانِ.    
النفسُ لا تتجزّأُ، بل
هي النفسُ في كمالِها  
لحظةً بلحظةٍ، حيويةٌ مرنةٌ، 
مُشرَبةٌ بعافيةِ الحياةِ. 
ولدى هذهِ النقطةِ، 
وحدَهُ فرحُ الحياةِ يبدأُ الإنباتَ.    

كم أحببتُ؟
قالَ ألبير كامي
"بعدَ وصولنا مغربَ الحياةِ، 
نتلَقّى حُكماً قائماً على  
قياسِ كَم أحببنا الآخرينَ". 
أُسعِدُ الآخرينَ، 
فتَسعَدُ نفسي.  
أعذّبُ الآخرينَ،
فتتألّمُ نفسي. 
أملكُ عقلاً حنوناً نحوَ الآخرينَ،
لا أُسبّبُ سعادةً ببساطةٍ للآخرينَ،
بل ترشَحُ عليهم سكينتي الداخليةُ. 
العاطفةُ تَمَلّكٌ، لكن الحبّ سيّالٌ.  
في دواخلنا العواطفُ تستقرُّ،    
لكن حتمٌ علينا أن نغذّي الحبّ. 
......................

(*) الشاعر الكوريّ بيوب جيونج BeopJeong(1932/ 2010)، كاهن بوذيّ، بثّ التقاليد البوذية في سياق جديد من الكتابة المعاصرة، ويعدّ جسراً ممتدّاً بين الحداثة والأصالة في كوريا الجنوبية. (م) 

الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

غريل ماركوز : بوب دايلن، هو صوت قبل كل شيء*


ترجمة : سعيد بوخليط


في الوقت الذي تستعاد فيه ثانية أغاني بوب ديلن، أطلقت شركة ''كولومبيا''حملة تحت شعار ''لاشخص يغني ديلن مثل ديلن ".وقد نضيف كذلك،بأنه لاشخص كتب عن ديلن مثلما صنع ''غريل ماركيوز''(هو رئيس تحرير سابق لمجلة ''رولينغ ستون''وهو بكل تأكيد مؤرخ الروك الأكثر شهرة.عمله المعنون ب''Mystery train ''(1975) ،يشكل أول محاولة جادة لفهم هذه الموسيقى )،وهو ناقد ومؤرخ موسيقى الروك الذي خصص ل ديلن ثلاث مؤلفات. من خلال هذا الحوار،يستحضر الكيفية التي عايش بها ديلن كلماته،ثم موقعه ضمن سياق الموسيقى الشعبية الأمريكية،وكذا حيثيات أغنيته المعنونة ب''like a rolling stoneوكذا طبيعة مزاجه الفكاهي . 
1-س-من هو بوب ديلن؟بعد مرور مايزيد على أربعين عاما من الكتابة،هل تشكلت لديكم  حاليا فكرة أكثر وضوحا؟
ج-نقول مرارا،مع بداية مساره،بأن أكبر موهبة ديلن تمثلت في إشاعة الغموض داخل العقول.بعد ذلك،يحكى أنه كان مبدعا للوجوه المستعارة،أو حربائيا، مما يدفعنا إلى القول أنه افتقد كليا لهوية معينة.يرتكز المنحى الأخير على ذمه بقدر كونه منتحلا .أحيانا يتم الاحتفال به باعتباره أستاذا للاستشهاد،وفنانا للإلصاق على طريقة الرسام والشاعر الألماني كورت شويترز،بل والتر بنيامين،حيث الطموح الكبير غير المتحقق يكمن في إنتاج عمل فلسفي ضخم وأصيل،يتأسس كليا على الاستشهاد.يبدو لي باعتباري فنانا- ثم لايهم في نهاية المطاف،إن كان ضمن حقبته أو حياته الخاصة-أن بوب ديلن هو صوت قبل كل شيء.مايهم في منجزه طريقة تناوله الكلمات،والتفكير فيها،وتحويلها ثم جعلها ترنّ حينما يغنيها. يحقق هذا بحس الإبداع والتحدي،وبجرأة ودعابة تلغي كل الاستفسارات حول قدرات حباله الصوتية.أو التي ترتكز على معرفة أنه الأول صاحب تعابير وظفها هو نفسه.  
2-س-إذن اعتُبر الكاتب الأكثر تأثيرا في تاريخ الروك؟
ج-يمكننا دائما النظر إليه كما نريد لكني وجدت باستمرار من السخافة الإعلان عن أهمية أحد ما انطلاقا من تأثيره على أشخاص يقلون عنه أهمية.بلا ريب، ديلن هو أكتر الكتّاب الذين تم تقليدهم  في تاريخ الموسيقى الشعبية المعاصرة،ثم ماذا بعد؟وما تعنيه كلمة ''مؤثر''؟التأثير على مؤلفين آخرين،ومغنيين وموسيقيين،أو فقط مؤثر على طريقة حياة من يسمعون موسيقاه ؟
3 –س-لقد استحضرنا تحولاته وموارباته .لكن مختارات كتاباتكم أظهرت على العكس لدى ديلن ثباتا؟
ج-تنم موسيقاه في الواقع عن ثبات : إنه البحث عن صوت أمريكي قادر على تحريك الفكر الديمقراطي لدى الأفراد.   
4-س-سيخيب أمل المتفرجين بطريقة غنائه وأسلوب تفكيكه لأغانيه خلال الحفلة الموسيقية.تظنون على العكس بأنها وسيلته الوحيدة لجعلها حية.هو يقصد المستقبل ناظرا إلى الخلف؟
ج-لا أعتقد أن الأمر يتعلق بخيبة ظن عندما يغير ديلن أغانيه مؤولا إياها بكيفيات مختلفة. لم تستهويني قط مثلا أغنيته : ''Blowin in the Wind" ،كما تضمنها ألبومه : "The Freewheelin".لكني استمعت ل بوب ديلن وهو يؤديها حسب أشكال مختلفة :عذوبة، تأمل، عنف، تردد،دقة، إهمال.سياق اقتضى مني إعادة النظر في هذه الأغنية التي ظننت أني لم أحبها.   
5-س-في مختاراتكم،نصادف هذه الجملة التالية : "جراء ما حدث أواسط سنوات الستينات فقد ارتبط مصيرنا بمصير ديلن،أن يروق له هذا،ولنا أم لا''ماذا تتوخون بالضبط قوله؟وهل ذات الحالة تستمر غاية اليوم؟
ج-حينما كتبت هذا سنة 1970،كان من الممكن وقتها التكلم عن جمهور للموسيقى الشعبية يشكل جماعة ،مفترضين أن هذا ال ''نحن''كانت معروفة،وممكن معرفتها وقابلة لتعيين هويتها، تتماهى بذاتها مثلما هي.هذا ليس أبدا صحيحا منذ مدة بعيدة.مع ذلك،بقيت أشرطته الغنائية متفردة جدا وقوية يتعذر تجاوز نوعها،بحيث أواصل التفكير أن ما كتبته يعتبر حقيقيا دائما من بعض النواحي.قدر كون مصيرنا- صيغة الجمع تحيل على مجموع الأمريكيين ومواطني الديمقراطيات الغربية مثلما إلى سكان الأرض- يرتبط دائما على نحو ما،ببعض إقرارات أو كتابات أبرهام لينكولن.   
6-س-حينما انطلقت الأسطورة الحية لبوب ديلن؟هل كنتم مدركا لأهمية هذه الشخصية خلال ذات اللحظة أو تبين لكم هذا فيما بعد؟
ج-بالنسبة لكثير من الأفراد أصحاب منظورات مختلفة،فقد جسّد ديلن وجها أسطوريا نحو سنة 1964 .شخص نسجت حوله حكايات،يمكن لبعضها أحيانا أن تتجلى بشكل دقيق.لقد أعلن المغني بوبي دارين ذات يوم :"أريد أن أصبح أسطورة في سن الخامسة والعشرين''.لكنه لم يصل إلى غايته،بينما تمكن ديلن من ذلك.   
7-لقد ترعرعتم  في مدينة بيركيلي.فما هي نظرة أهل كاليفورنيا لظاهرة مشهد فولكلور نيويورك؟
ج-إنها ظاهرة نيويوركية فقط من وجهة نظر أهل نيويورك.إذا استفسرتم سنة 1960أشخاصا من كامبريدج،فسيقولون لك بأنهم كانوا محور الكون.وسيكون لديكم نفس الجواب في بيركيلي خلال الحقبة ذاتها.فيما يخصني،لم أعر اهتماما للموسيقى الفولكلورية سنة 1960حتى ولو كانت مذهلة،وتحولت  إلى متابعة موسيقى "top 40"عبر الراديو.
8-س-يبدو في نهاية المطاف أن ديلن أقل ارتباطا بالمشهد قياسا بالموسيقى الفولكلورية.فماذا يمثل الفولكلور الموسيقي بالنسبة للأمريكيين؟
ج-في مذكراته،أظهر ديلن بطريقة واضحة ومتشعبة بأنه كان منخرطا عميقا في مشهد الفولكلور .لقد أخبرنا عن هوية،ثم زمان وكيفية تبلور ذلك. انجذب  بعمق أكثر إلى موسيقى الفولكلور.بالنسبة لأغلب الأمريكيين،يعني الفولكلور الموسيقي على الأرجح، تلك المقطوعات التي يجبرونك على أن تغنيها في المدرسة الابتدائية.أو أغاني رعاة البقر،أو أخرى طفولية مثل : Foggy Went a Courtin،التي سجلها إلفيس بريسلي.لا تعني الموسيقى الفولكلورية الشيء  الكبير بالنسبة إليهم.إلى غاية أن يضعوا أياديهم على ما يصدمهم ثم يشعرون باهتزاز الأرض تحت أقدامهم.سنسمع إذن لحظتها "لكن ماهذا؟''ثم سيشرعون في الاهتمام بذلك.   
9-س-ماذا اعتقدتم بخصوص مذكرات ديلن؟
ج-تمنيت لو استفسرته عن مسألة واحدة بالنسبة لكتابي، يتعلق الأمر بأغنيته '' like a Rolling Stone '' : فيخبرني عن  مرحلة تسجيلها.مدير أعماله "جيف روزين''،أجابني بأن بوب لم يعد يتذكر قط هذه الحقبة.لكن حينما تصفحت مذكراته،لاحظت على العكس أن  الرجل يمتلك ذاكرة مدهشة !لقد انذهلت :هي مذكرات بسيطة، أدبية جدا،خالية من الصور. لقد انبسطت وأنا أكتشف عدم الإشارة قط إلى الأغنية، ولا في فيلم:" No Direction Home"ل مارتن سكور سيزي(فيلم وثائقي عن ديلن) .لكنه سيستحضرها من خلال حوار مع مجلة ''لوس أنجلس" :يحكي بأنه قد أتاه شبحا وهمس له بالأغنية.مايصفه، هو بالضبط مسار الإبداع.
10-س-كتبتم مؤلفا كاملا حول تلك الأغنيةمن أي جانب كانت جديدة وثورية؟
ج-كان الصوت هائلا،يستدعي كل انتباه المستمع.استغرقت الأغنية ست دقائق.حاولت أن أشرح سبب اختلاف صوت هذه الأغنية عن كل ما سمعناه سابقا،ويفصلها عن الباقي،الرسالة ثم الكلمات.تظهر قراءة حرفية أنها تتعلق بهجوم شخصي عنيف جدا ضد فتاة.يمكنهم أن يكرروا إلي بأن الأمر يتعلق ب الممثلة ''إدي  سيدغويك''إحدى ربات الفن لأستوديو''أندري وورول''. ثم إذن؟لم أفهم قط أغنية''like a Rolling Stone ''بهذه الكيفية.إن أغنية هي سلسلة متوالية من الصور مع محتوى عاطفي.هذه الأخيرة تمثل لحظة تحرر كبيرة،يصبح كل شيء ممكنا بأن يترك أوهامه خلفه.  
11-س-لقد كتبتم بأن هذه الأغنية '' تعتبر مصادفة؟
ج-نعم لم يتم تحضير أي شيء .بل الأغنية نتيجة مزيج فظ للإيقاع والميل إلى الدعابة ثم التفخيم.لقد سمعت دائما القول بأن هذه الأغنية كانت حادثة،وشيئا لايمكن بتاتا توقعه أو تكراره. عرفت ستة عشر اقتباس .فحينما نسمع إلى شريط التسجيل نلاحظ إخفاقا.ديلن وموسيقييه عجزوا عن بلوغ لازمة الأغنية. خلال  هذه اللحظة، قال لهم :''لا أعرف ما سيحدث فيما بعد".وبكيفية مجازفة ،سيتقدمون نحو المجهول،فالكلمات :
“How does it feel/ to be on your own/ with no direction home/ like a complete unknown”
تصف تماما ما تثيره الأغنية من شعور بعدم الاستقرار.  
12-س-سنة 1967، صدر الشريط الغنائي :  The basement Tapes بحيث وضعتم ملاحظات على غلافه حينما صار خاضعا رسميا للتسويق سنة 1975،من أي جانب تشكل نصوصه أهم معلمة للموسيقى الأمريكية؟
ج-لقد كتبت أيضا مُؤَلفا كاملا :الجمهورية اللامرئية.حينما انتهيت منه،أحسست بأني بدأت الإجابة عن سؤالكم.ديلن تمثّل نفس الإحساس.لقد التقيته حينما انتهى من قراءة الكتاب.استفسرني عن المشروع المقبل الذي سأشتغل عليه.أجبته ليس لدي بعد موضوعا ثم استطرد :(( لماذا لا تكتب جزءا ثانيا؟لقد اكتفيتَ بالوقوف عند السطح))فموسيقى ألبوم"Basement Tapes "ثرية جدا تتجاوز الإدراك.يمكنكم الرجوع إلى الفصل المعنون ب "Riddle''المتعلق بالممثل ريتشارد جير،في فيلم ''أنا لست هناك '''للمخرج"تود هينز''(التأليف الموسيقي لبوب ديلن) كي تقتنعون بذلك. في الجمهورية اللامرئية،عدت إلى  الوجوه السياسية التي استهوتني سابقا دون أن أفهمها حقا.حينما استمعت إلى قطع :''basements tapes"،سمعت أشخاصا من حقب مختلفة يتكلمون نفس اللغة، وينعشون ذات الآمال.بدا لي أن لينكولن بإمكانه الاستماع إليها،بحيث يمكنه تأدية الأغاني على قارب يعبر نهر المسيسيبي. 
13-هل توخيتم مع الجمهورية اللامرئية،تعويض غياب ديلن عن صفحات كتابكم الأول : " Mystery Train"؟
ج-إنه بشكل أقل تتمة وليس استعادة ل"Mystery train''.فقط الأسماء المشار إليها في هذا الكتاب مثل ''دوك بوجز"(هذا العامل المنجمي والمغني والعزف على آلة البانجو(1898-1971)يشكل نقطة الالتقاء بين فولكلور جبال الأبالاش ثم البلوز )صاروا الشخصيات الرئيسة لصفحات ''الجمهورية اللامرئية".هاجس هذا الكتاب ليس بوب ديلن بل سؤال :ماذا يوجد في موسيقى دوك بوجز؟
14-س-انتقادكم سنة 1970للشريط الغنائي ''self portrait ''،ظل مشهورا بجملته الأولى :''ماذا تعني هذه الرداءة"؟فأنتم ناقد الروك الوحيد الوارد اسمه ضمن صفحات مذكرات ديلن،بحيث بدا كأنه لم يستسغ ذلك؟
ج-لن أصير بطريقة أو أخرى على نهج، أن الانكباب على عمل كاتب ما، ينبغي أن يمثل إرضاء له، لأنه حينئذ ينتهي الأمر حتى قبل انطلاقه! مثلا بالنسبة لكتابي :  " lipstick traces "،توجب علي نسيان بأن ''غي أرنست دوبور''(شاعر وكاتب سينمائي)يمكنه قراءتي.أما بخصوص عملي ''الجمهورية اللامرئية''فقد طلبت مني زوجتي عدم التكلم خاصة عن بوب ديلن.أيضا الجملة الأولى للنقد الذي تضمنه كتابي :" self portrait"لم تؤول على نحو جيد :"ما هذه الرداءة؟''ردة فعل عامة تتوافق و سماع هذا الشريط.ثم أقول مع ذلك كم أحب الأغنية الأولى المعنونة ب :"All the Tired Horses ".بالتالي،أقر بأن هذه ''الرداءة'' ستعرف تقديرا كليا.   
15-س-على أية حال هل حدث أن خيب ديلن ظنكم؟
ج-حينما صار مسيحيا ''الولادة الجديدة''،فكرت بأنه لايتمتع بكل قواه العقلية.ذهبت للاستماع إليه في سان فرانسيسكو،كان فظيعا.تواجد فريق من الانجليين عند المدخل،وموسيقيا اقتضى الأمر عدم المتابعة بشكل جيد.لكن بعد العرض،عاودنا الإصغاء من  جديد لهذه الموسيقى في المسرح :ديلن يعزف وحيدا على البيانو،مؤديا قطعة ''pressing On ''، أغنية تنتسب لشريطه الديني : "Saved ".كان شيئا رائعا.لا أقول هذا لأنني يهودي ولا يمكنني بالتالي الاتفاق مع مسيحيته،لكنه استلهم حقيقة من خلال تحوله هذا لايمكنني معرفتها.
16-س-هناك محاولة لرد الاعتبار لحقبته المسيحية. أهي فكرة جيدة؟
ج-ليس فكرة.يكمن السؤال ببساطة في معرفة ما تريدون سماعه وما يمكنكم سماعه في هذه الموسيقى.شخصيا،أستمع إلى شخص يسمح لشخصيات أخرى كي تفكر مكانه.  
17-س-ظهر ديلن في السنوات الأخيرة في إشهارات كثيرة.هل يحتاج إلى المال أم يتوخى استمالة الجمهور؟
ج-أشك في أن الأمر يتعلق بحاجيات مالية.لكن كل فنان يرغب كي تكون موسيقاه متداولة.وإعطاء ترخيص حتى يتم استثمار موسيقاه في وصلات إشهارية أو توظيف الإشهار بشكل جلي مثلما فعل ديلن مع : "victoria’ s secret " تمكن كذلك من فحص إذا كان بوسع أغنية البقاء في إطار إعادة التشكيل النصية الجذرية أو هذا البغاء.بمفاهيم أخرى،أظنه يتسلى.ليس بتأدية تلك الأغاني في هذه الحالة بعينها،ولكن باللعب معها.  
18-س-آخر مفاجأة له أسطوانة أغاني عيد الميلاد.كيف يمكننا النظر إليها ؟هل تمثل عملا معتبرا أو فقط إعادة إبداع ثانية؟
ج-لم أستمع إلى الشريط بعد، بل فقط مقتطفات عبر الراديو.كما فعل ديلن،أنشدت أغاني نويل عندما كنت صبيا.لكن ليس لهذا أرغب في اقتناء الأسطوانة. 
19-س-من خلال تقديم مختاراتكم،اعترفتم بأن انطباعاتكم كانت أحيانا خاطئة. فما هي الهفوات التي تتأسفون عليها؟
ج-لا أتأسف عليها حقا، حتى عندما كتبت بأنه كان يستحسن ألا يقوم  بجولته الموسيقية سنة 1974لقد حاولت أن أناقش،قدر ما تلزمني من النزاهة، الموسيقى وكذا الفترة التاريخية.لو شعرت بأن النصوص التي أقول عنها اليوم بأني أخطأت بخصوصها كانت كاذبة،فلم أكن لأضمها للكتاب.الوحيدة التي تغافلت عنها كانت مسهبة أوعديمة الجدوى أو غير جديرة.
20-س-ماهي بحسبكم أسطواناته التي تحظى بتقدير كبير ؟أو تلك المفتقدة لقيمة ما؟  
ج-ألبوم '' Modern Times''(2006)يحظى بتثمين كبير، باستثناء مقطوعة"Ain’ t talkin " .عمليا كل أسطوانات سنوات الثمانينات،كانت كذلك على نحو مضحك.احتُفل بكل واحدة منها في مجلتي رولينغ ستون ونيويورك تايمز،وفق أسلوب : ''هيا إنه قالبه الحقيقي !ليس كما الشأن مع ألبومه السابق،حيث كتبنا أصلا بأنه كان قالبه الحقيقي "أما شريط"Good as i been to you  "وكذا"World Gone Wrong "بين سنتي 1992و1993فلم يعرفا إشادة حقيقية،لأنه حتى اليوم لم يستمع إليهما سوى أقلية ،معتبرين بأنهما لم يكونا سوى باقات أزهار استعادت ثانية الفولكلور وموسيقى البلوز.  
21-س-تدرّس الجامعات الأمريكية، تلك الأغاني.هل الأمر مقنع؟
ج-أفترض بأن هذا يعود إلى الأستاذ.أقول بأنه من المقنع جدا تقديم بعض أغانيه في إطار سياق تاريخي وثقافي وفني يحدده المدرّس،ثم يتركها فيما بعد تفعل فعلها،أو بالأحرى دراستها في ذاتها بهدف إعطاء أمثلة عن منهجية الكتابة والإحالة على كتّاب آخرين أو صيغ أخرى.  
22-س-مارأيكم بخصوص ترشيح ديلن لجائزة نوبل؟
ج-خلال كل سنة – لاأعرف كيف يتم الإجراء- يصدر أحدهم بلاغا صحافيا كي يقول بأنه "رشح بوب ديلن لجائزة نوبل"مع قدر من الشرعية تعود إلي ولكم .هذه الإخفاقات المتكررة مثيرة للسخرية. تخول جائزة نوبل، ضمن أشياء أخرى، إقرار اعتراف عالمي بكتّاب،لم يحظوا به، وهو ما لا ينطبق على ديلن.ثم  نجهل تماما السؤال الحقيقي :جائزة نوبل بخصوص ماذا؟ الأدب ؟ثم بعد ذلك؟السلام؟مثل عدد من أغاني العشرين سنة الأخيرة،تمحور موضوعها على الثأر والقتل،إذن مسوغ الأدب أو السلام يبقى متهافتا.أما بخصوص الاقتصاد؟ربما هو احتمال قائم.فلا أحد يعرف قيمة ثروة ديلن وعلى امتداد سنوات،بحيث بقي في طليعة الأشخاص الذين  يحصلون على أعلى الأجور مثل "والتر يتنيكوف''حينما أشرف على إدارة شركة''كولومبيا بيكتشرز ''و''دافيد جيفن''مؤسس شركة التسجيلات" Asylum Records" .أما عن نوبل للفيزياء؟بالنسبة لبعض التغيرات الإيقاعية من خلال نسخة أغنية''Tell me,Momma''(1966)فالأمر يستحق. أما إذا منحنا ديلن  نوبل للأدب، فسيكون إقرارا بأن كلماته تشكل قصيدة كبرى.والحال أنها كلمات أغاني،لا توجد قط خارج الموسيقى. بعد ذلك،ينبغي القول بأن قسما من الموسيقى الشعبية اعترف به باعتباره فنا،بينما يلقى ماتبقى جانبا.    
23-س- هذا بالضبط ما يعتقده سلمان رشدي؟
ج-نعم،وأدرج  فرقة الروك الايرلندية"يوتو''(u2! لم أرغب في انتقاد الفنان بونوbono ،لكن من يعتبرون بأن هذه الفرقة تمثل الروك أندرول عليهم الاتصاف بالطرش .المجموعة الغنائية النسائية :''The chantels ''ربما متفوقة بشكل لانهائي على ديلن.فالسؤال المتعلق بمعرفة إذا كان الروك أندرول  فنا لايهمني أبدا.هي بداهة بالنسبة إلي.يزعجني التسامح المتعجرف لحراس الثقافة،هذه الفكرة التي تتعهدها المدرسة ووسائل الإعلام ثم كتّاب مثل "جون أبدايك''،بأن هناك ثقافة جادة بالنسبة للأشخاص الجادين ثم ثقافة تافهة بالنسبة للتافهين.لقد تفاجأت دائما وأنا ألاحظ إلى أي حد قد يشعر الأشخاص بالحياء لكونهم يحبون.مفهوم المتعة الآثم، يعتبر مفهوما قمعيا. 
24-س-بعد كتابة دراسة حول ألبوم لديلن، ثم أغنية،هل يمكنكم القيام بذلك حول لازمة بل وجملة؟ ماهما؟
ج-أحب أن أكون قادرا، وأتمنى أن أكتب عملا بأكمله حول هذا المقطع الغنائي للفنان ''ذا باند'' : . we can talkالتي ألفها ريشار مانويل المغني وعازف البيانو : 
There s no need to slave/the whip is in the grave.
مثل دائما، يتجه رهاني، بالنسبة إلى معرفة كيفية غناء وأداء كلمة وسطر وجملة،ثم كيفية اختراقها لجسدك.بخصوص ديلن،ربما هذه الجملة : أحد ما ضربني من الخلف(أغنية"Ain’ t Talkin ")يمكن أن تلهمني. أو طريقته العجيبة لتلفظ ''دولاكروا'' في أغنيته :  Tangled up in blue

*هامش:
Le monde : Hors-série ;Bob Daylan2016 ;pp 63-69.