الأحد، 26 مارس، 2017

ثلاث قصائد

للشاعر الإسبانيّ: ميجيل دي أونامونو
ترجمة: محمد عيد إبراهيم




حين أموت
"اعرفْ نفسكَ"؛ هي فلسفةُ 
اليونانِ الأقدسُ    
تعاليمُها تاجُ هذهِ الزهرةِ،  
وردةِ المعرفةِ!
"اعرفْ نفسكَ"، وتقعُ هذهِ النفسُ  
خارجَ نفسي؛  
فاللهُ داخلي؛ قد خلقَني اللهُ  
واللهُ يقِيني؛
اللهُ مشتَمَلٌ بي، وبقلبي  
يملأ حياتي.    
لن أبلغَ نفسي قبلَ مروري
بجَوهرهِ الأسنَى؛   
حينَ أموتُ سيُكشَف سِرّي؛ 
سأعرفُ اللهَ حينَ أموتُ.    



عزلة  
بروحٍ زاهدةٍ، لترحل وحيداً    
عبرَ رمالِ الفيافي،  
فوقَ ظَهركَ مآسٍ  
وحيدةٌ ينقُصها وَهجُ
الشهادةِ الزاهرُ! موجةً فموجةً مِن
ريحٍ عليكَ حارّةٍ عاتيةٍ،  
ويُدنّسُ أخيراً جَمعٌ غفيرٌ
من الضِباعِ سَكِينةَ عقلكَ.    
الحياةُ عزلةٌ؛ قد ولِدتَ وحيداً
وتموتُ وحيداً؛ وتحتَ الأرضِ تُصيخُ
وحيداً من أعلَى إلى شكايةٍ حزينةٍ 
لروحٍ أُخرَى تهيمُ عبرَ الفيافي وحيدةً؛ 
فتأتي إلى وادي الألمِ وحيداً 
لتكسبَ عزلتكَ وهي تستحيلُ إلى حربٍ.


لن أموت!
"لن أموتَ!"، هكذا قالَ   
شاعرٌ ممعنٌ في ذاتهِ، يبغُض
عمومَ الناسِ، يتحدّاهُم 
لينساهُم، على وعدِ أن التحدّي  
سيُخلّدهُ؛ خُدعةٌ محسوبةُ
أن نكبحَ الناسَ، كي نوطّدَ   
مجدَهُم. وينسَى زميلي البائسُ  
أن مَن يُسرفُ بشَرابهِ لا
يُفرِغهُ أبداً. ثم يحلّ زمانهُ 
ويُشتَهَر؛ شِعره  
حيٌّ زاهٍ بذاكرتِنا...    
حيٌّ...، وهو يبلَى. يظنّ أنهُ   
قد فجّرَ فجْرَ الخلودِ، وهو لا يعرفُ    
أن الموتَى سيموتونَ أخيراً!    

...........................
(*) ميجيل دي أونامونو Miguel de Unamuno(1864/ 1936)، شاعر  وفيلسوف إسبانيّ، روائيّ وقاصّ ومسرحيّ وناقد. عضو جماعة "جيل 1898"، من دواوينه: قصائد، مسبحة سونيتات غنائية، أنغام من الداخل، أنغام المنفى، كتاب الأغاني. (م)
(*) اللوحة (بيض على صحن، من غير  صحن)، للفنان الإسبانيّ:  سلفادور دالي


الخميس، 23 مارس، 2017

رواية برلين :69 الجنس، والسياسة،… والعبث *


بقلم : سعيد بوخليط


آخر العناوين التي أصدرها الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم،حسب متابعتي، لمنجزه- هو أقرب الروائيين العرب إلى قلبي بعد عبد الرحمن منيف- رواية :برلين 69 .نفس الإطار الإيديولوجي والرؤية الفنية والإبداعية، كما تحددت لديه، منذ أول نص له : تلك الرائحة (1966)،التي وثق من خلالها ليوميات اعتقاله في سجن الواحات طيلة خمس سنوات(1959-1964).ثم على امتداد مسافة زمنية، قاربت إلى الآن خمسة عقود، راكم أثناءها صنع الله إبراهيم روايات مثل : اللجنة، بيروت، ذات، شرف، وردة، أمريكانلي، التلصص، نجمة أغسطس،العمامة والقبعة، القانون الفرنسي، الجليد ،وقوفا عند النص الحالي برلين69 .
ظل هذا الروائي اليساري، الذي انتمى خلال الحقبة الناصرية إلى التنظيم السري الشيوعي،منشغلا دائما بهاجس فضح وتشريح الأمراض المجتمعية المصرية خصوصا،وعبرها العربية عموما، الناتجة عن منظومة الديكتاتوريات التي تحكم شعوب المنطقة بالحديد والنار،ورصده الكافكاوي الساخر للأنساق الانتهازية المتوارية خلف جدران الطابوهات.وبالتأكيد،الثالوث المحرم :السياسة، الدين، الجنس.بكيفية شيزوفرينية عصابية،فقط لمجرد أن تنعش باستمرار تلك الديكتاتوريات بقاءها الأبدي،على حساب طبعا التخريب الممنهج والبنيوي للمرتكزات الحضارية الأساسية،والإلقاء بشعوبها في دوامة التيه.
عاش صنع الله إبراهيم،مختلف مسارات الإخفاق العربي،بدءا بهزيمة 1967،فجاء متنه تأريخا إستيتيقيا وفق رؤية تقدمية،لتجليات ذلك على الحياة اليومية للناس،بحيث نقف على أدق التفاصيل،لذلك يستحسن حسب ظني،الاعتياد على قراءة مايكتبه الرجل،دفعة واحدة دون قطائع زمانية متباعدة،كي يتم الاستمتاع حقا بما يجري، وتستوعب بوضوح أبعاده الخفية والجلية ،ولاتضيع الخيط الرابط لذلك،مادام يتداخل لديه وفق مسافات دقيقة جدا،يصعب في أغلب الأحيان،تمييز التوثيقي عن الوثائقي ثم الجمالي الفني،بين طيات سرد مكثف،سميك،وسريع الانجاز،قد يفقد القارئ،في لحظة فتور ذهني،متواليات الأبعاد الناظمة للنسيج الحكائي، حسب كل مجال على حدة ،فما بالك إن توقفت عن قراءة العمل لفترة ثم عدت إليه ثانية. ذات الشعور انتابني،مع تلك الرائحة ونجمة أغسطس وبيروت بيروت ثم برلين69 .
إذا صرح صنع الله إبراهيم،خلال بعض لقاءاته،أنه بطيء على مستوى الكتابة،مما يدفعه كي يرفض دائما الالتزام صحفيا بكتابة المقالة،مفضلا ادخار وتوظيف هذا الجهد المفترض لكتابة الرواية،فإنه حقيقة تصعب ملاحقته سرديا،ويحتاج إلى سرعة وسعة نفس،قصد تعيين وضبط مستويات السيري والموضوعي،الإيديولوجي والإبداعي،الواقعي والعبثي.
 يستلهم غالبا،هذا الروائي الفذ والملتزم، موضوعا سياسيا كبيرا ودسما،فيتحول  به من المجال السوسيو- سياسي إلى حيز الكتابة الروائية،مخضعا إياه لقوانينها الخاصة،على سبيل الذكر،لا الحصر :''تلك الرائحة''، هي بيان انتقادي لحكم جمال عبد الناصر. ''نجمة أغسطس"،رصد لحيثيات بناء السد العالي."بيروت بيروت''،استعادة لتفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية كما عاينها صنع الله إبراهيم.''اللجنة''،عبارة عن نص يسخر بروح كافكاوية من أجواء سياسات الانفتاح التي تبناها السادات.ثم رواية ''برلين 69"،والتي يعتبرها بالمناسبة صنع الله إبراهيم،أنضج أعماله،بقوله:((إن أحداث رواية ''برلين69"،كانت تتفاعل وتتصارع داخلي منذ أربعين عاما،ولذلك فإني أعتبرها أنضج أعمالي الأدبية،إذ كتبتها في فترة شعرت فيها بنضجي ككاتب وكذلك كإنسان،بالإضافة إلى نضج أدواتي وثقافتي)).رواية استثمرت النتائج النفسية المترتبة عن فصل جدار برلين بين ألمانيا الشرقية والغربية،حقبة الحرب الباردة،ومدى اختلاف الظروف المعيشية والحياتية بين نصفي البلد الواحد،كي ينتقد صنع الله إبراهيم المآل البيروقراطي للتطبيق الاشتراكي،الذي قتل منابع الحياة وتشيأت معه إنسانية الفرد، سواء في ألمانيا أو مصر،وكيف تحول الجنس جراء ذلك،من حس بيولوجي ينبغي أن يأخذ حيزه الطبيعي المتوازن سيكولوجيا،فتتحقق معه إنسانية الإنسان السوي،كي يصير هاجسا مرضيا وغريزة شبقة منفلتة تسيطر على العربي وتشل تفكيره تماما،بل تصير مرجعيته المطلقة في هذا العالم.
إذن، كما يدل عليها عنوانها،فرواية برلين69،بمثابة استحضار لذات المكان والزمان،مع مختلف دلالات الفترة التاريخية المؤرخة لظروف الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي والرأسمالي،والصراعات الندية اليومية على جميع الأصعدة،الإعلامية والإيديولوجية، لدى هذا الطرف أو ذاك.
على امتداد فصولها الأربعة التي قاربت251 صفحة،يصعب على القارئ أن يتبين ولو من خلال إشارة واحدة،تكشف حقا هل تواجد وقتها صنع الله إبراهيم في برلين الشرقية،أم فقط هي مجرد أحداث متخيلة،استنتجها بناء على معطيات ظروف المرحلة ؟محاولا باستحضاره للعقائدية الشمولية المستبدة طبعا بحقوق الفرد،إعادة انتقاده للمنظومة العربية بكل تجلياتها.طبعا،هناك كتاب وثقوا لأمكنة اعتمادا فقط على حدوس وتصورات افتراضية.بيد أن صنع الله إبراهيم،سيقطع بهذا الخصوص دابر الشك باليقين،عندما أكد في إحدى لقاءاته مع الجمهور،بأنه:((عاش في ألمانيا ثلاث سنوات،كان يقوم خلالها بتدوين مشاهداته،مما يراه أو يسمعه،ويخفيه في مكان سري،لكن ذلك لايعني أن الرواية هي سيرة ذاتية)).اعتراف،ربما يدفعنا كي نطرح التساؤلين التاليين:لماذا انتظر الروائي،جل هذه الفترة الطويلة،كي يخرج نصه؟ثم ما درجات ومستويات تماهيه مع صادق الحلواني الشخصية الرئيسة؟.  
قد يسهل الحسم مع الاستفسار الأول،مادام الوضع العربي المختل جوهريا،مثلما شكل الخلفية الضمنية،الغائبة– الحاضرة،لحبكة "برلين69"،لازالت تغمره بل زاد انغماسا في مستنقع المساوئ المرضية،التي رصدتها بسخرية سوداوية،مختلف حلقات المشروع الروائي لصنع الله إبراهيم: القمع،الخوف، البيروقراطية، الانتهازية، الانبطاح، التشيؤ،الكبت، الحرمان، التلصص،التفاوت الطبقي بتناقضاته الاجتماعية الرهيبة،انتفاء العدالة.كل ذلك ضمن نواة استمرار الأفق الثوري لدى الروائي وإيمانه بضرورة الانقلاب على الوضع القائم.ولعل من أهم مواقفه العملية المشهورة المنسجمة مع نزوعه اليساري،رفضه سنة 2003 ،تسلم جائزة الرواية العربية التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة في مصر،وتبلغ قيمتها المالية16ألف دولار،مؤكدا بأن الحكومة المصرية :''لاتملك مصداقية منحها"،قائلا بالضبط:((أعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد وتسمح للسفير الاسرائلي بالبقاء في مصر.في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب)).أيضا إلى جانب هذا التبرير العلني،يقال بأن رفضه ذلك،جاء تحديا لوزير الثقافة فاروق حسني،الذي أفصح خلال إحدى تصريحاته عن سعيه لإدخال المثقفين الحظيرة.تجدر الإشارة،إلى أن لجنة التحكيم ترأسها الطيب صالح،وكان عبد الرحمن منيف،أول اسم توج بتلك الجائزة.
أما بخصوص مدى تماثل أو اختلاف،صنع الله إبراهيم،مع بطل الرواية، فيصعب حقيقة التأكيد أو النفي.الصحفي صادق الحلواني،الشاب المصري الذي سافر أواخر الستينات إلى برلين الشرقية كي يعمل في القسم العربي لوكالة الإنباء الألمانية المعروفة اختصارا ب''أ. د.ن ''،غير أن وازعه الأصلي في واقع الأمر،لمغادرته مصر والرحيل صوب ألمانيا،هو توخيه تحقيق الإشباع أو الارتواء الجنسي،عبر إقامته لعلاقات غرامية عدة مع فتيات تتباين جمالا وإثارة وإغراء،انطلاقا من قناعة جاهزة وقبلية مفادها أن الأوروبية عموما سرعان ماتقع في غرام الشاب العربي بمجرد وقع سهام النظرة الأولى !طموح،عبر عنه تهكما على امتداد فقرات الرواية ب"النشاط الثقافي''الذي يقتضي عمليا ''برنامجا ثقافيا''،يضع خططا لمغامرات جنسية بهدف اصطياد ألمانيات واستدراجهن إلى غرف النوم.أيضا،هو "نشاط ثقافي"توالى وتواصل بصيغ وأساليب مختلفة عبر صحبة صادق الحلواني مع باقي رفقة زمرة ''الذئاب العربية''،التي لاهاجس لها سوى الجنس،وهي شخصيات أخرى عراقية،كردية،أردنية،مثل : ماجد وفخري وعدنان ونبيل.راكمت حكايات يومية أساسها الملاحقات الاغوائية والعلاقات السريرية البورنوغرافية العابرة،لكنها تلامس بين طيات ذلك،قضايا أكثر عمقا،تنتقل من الخاص إلى العام،ومن الشرق الأوروبي إلى العربي،لاسيما مصر،التي تعيش منذئذ التداعيات السلبية لهزيمة يونيو1967 . 
بشكل من الأشكال،يذكرنا التيه الجنسي لصادق الحلواني،بمصطفى سعيد في موسم الهجرة إلى الشمال،إنه مظهر من مظاهر هلوسات العربي المتأتية من ردود أفعال سيكوباتية نحو واقع مهزوم يأكله الانحطاط على جميع المستويات.فقط اختلفت العلل والمبررات :الجنس لدى الطيب صالح،بمثابة غزو بفحولة الزنجي لنساء الغرب،كرد انتقامي على صنيعه الاستعماري.أما مع صنع الله إبراهيم،فالجنس أيضا يمثل سلاحا للمقاومة لكن من أجل تقويض الأساس المذهبي للنظام البطريركي التوتاليتاري،ثم استعادة الفرد كلية في الجغرافية العربية لحقوقه الأصيلة.حرمان واغتيال وجودي على نحو غير مشروع،أفرغه تماما من بعده الإنساني،واختزله فقط إلى "ذئب" محتال،يتحين بأساليب حقيرة وخسيسة أشياء ليست من حقه. بدل أن يصارع بكيفية مشروعة قصد استعادته لحقوقه.
الجنس إذن سواء هنا أو هناك،يتحول أساس إلى مسلك عبثي يمنح إمكانية السخرية من كل شيء،وليس فقط السياسة.  
*هامش :
صنع الله إبراهيم : برلين69 .دار الثقافة الجديدة الطبعة الأولى 2014

الثلاثاء، 21 مارس، 2017

فاطمة المرنيسي:أحلام إسلام كوني *


حاورها: فاطمة أيت موس وادريس كسيكس
ترجمة : سعيد بوخليط


تقديم : بابتسامة حنونة عند الاستقبال، يلتقط محاوروها وكذا الأشخاص  حولها،هاجسها الأنسي بأدق تفاصيله،حقيبتها الشخصية المتوشحة بها،طافحة بقصاصات الجرائد،ونسخ لأغلفة كتب وأشياء كثيرة دالة التقطتها صدفة اكتشافاتها،فاطمة المرنيسي سيدة يساعد ذكاؤها العاطفي على البقاء ضمن المشاطرة والانذهال.استنفذت طاقتها وهي متيقظة باستمرار صوب المظاهر الجارية في الحي شعبي،والتلفيزيون، والمجتمع المدني،وعلى الانترنيت والجرائد ثم بكل تأكيد مضامين الكتب،لاسيما تلك المنتمية إلى التراث الإسلامي،التي حملت أولى بواكير الحداثة.   
ولدت فاطمة المرنيسي بمدينة فاس،التي تحتفظ عنها بصورة تلك المعابد المفتوحة على المعرفة بالنسبة للجميع ،مهما تنوعت أمكنة قدومهم .إذن في إطار هذا التذكر لمدينة تعتبر بمثابة مكان التقاء استلهمت مفهومها عن الكوسموبوليتية،المستندة على عدم التمييز المكاني والمعرفي.الإرث الصوفي الملازم لها،وكذا قراءاتها لابن عربي والجاحظ،نصوص علمتها أن الأجنبي منبع لمعرفة الذات.ذكريات طفولتها،التي اكتشفتها ثانية انطلاقا من معرفتها النظرية وحساسيتها،قدمت لها من ناحية أخرى منبعا للإبداع والتأمل.هكذا الشأن بالنسبة للحريم،حيث وضعت وعاشت جدتها، منذ سن صغيرة جدا،وأيضا حلمها كي تحلق بالخيال والذي سيطر عليها مبكرا. 
منذ التحاقها بكلية الآداب بالرباط،بل وقبل أن تناقش أطروحتها السوسيولوجية في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1974 ،ستجعل المرنيسي من مدينة الرباط فضاء- أنواريا.مستعدة للذهاب قصد الالتقاء بالآخرين،في حي متواجد عند أطراف المدينة،أو داخل مكتبة،وكذا جمعية أو مركز للبحث،ثم تنكب على الاشتغال بالانعزال كل صباح  داخل شقتها المضاءة بكيفية رائعة.حاجتها للأنوار،بالمعنى الخاص والمجازي،لا يعادله سوى عشقها لنصوص ألف ليلة وليلة.المسار الذي رسمته منذ أربعة عقود،استمر نفسه،لكنه يأخذ خلال كل مرة تلونات جديدة على شاكلة الطائر الأسطوري "السيمرغ" الذي استشهد به فريد الدين عطار.انصبت رغبتها العميقة على :السعي،انطلاقا من قراءاتها وأبحاثها الميدانية وأسفارها،إلى طرد المخاوف التي تسكن الآخرين.   
الخوف من المرأة،وقد تطرقت له العديد من مؤلفاتها الأولى،بدءا بعملها ''الجنس كهندسة اجتماعية''المأخوذ من أطروحتها.الخوف من الحداثة،سيشكل موضوع كتاب رائع،صدر غداة حرب الخليج الأولى''الإسلام والديمقراطية''.الخوف،من تعميم النمط فسح لها المجال كي تطور من خلال كتابات عديدة،تقريظا رائعا للسفر والحركية،عبر الوجه الأسطوري لسندباد،ثم مرافعتها المدهشة عن الحب انطلاقا من كلمات ابن حزم وابن القيم الجوزية.ثم حاليا،ألهمها الخوف من الإسلام(للإشارة أجري الحوار شهر دجنبر2013)كتابا بصدد الاشتغال عليه سيتطرق إلى هذا الإسلام الكوني الذي يسمح،عبر المعنى المجازي للبساط،تجاوز الحواجز الإقليمية.
المرنيسي صاحبة التكوين السوسيولوجي،توخت أولا وقبل كل شيء،أن تصبح كاتبة.ترجمت مؤلفاتها بشكل واسع(حظي عملها الروائي ''أحلام النساء''،بالنجاح وترجم إلى خمس وعشرين لغة)وتوجت بالعديد من الجوائز الدولية(الأمير أستورياس سنة 2003،والأمير كلاوس سنة 2004)،لأن فاطمة المرنيسي تعتبر بأنه إذا لم تتداول الأفكار وتقرأ بشكل واسع،فيعني ذلك  افتقادها لقيمة أصيلة.لكي تنقل تطلعها الفكري،المضاعف بفهمها للدقة والتواصل،أرادت المرنيسي منذ سنة 1982 أن تصبح مفيدة للجماعة،بالمبادرة إلى حلقات مركزية ومتنوعة عن الكتابة والفكر التأملي والنقدي.أوراشها،التي تعكس صورة مثقفة ذات منزلة مبجلة،ظلت مفتوحة بالتناوب،أمام نسوة العمل الجمعوي،والمعتقلين السياسيين السابقين،والصحافيات ثم تواصل تحولها تبعا لما تظهره حولها التطورات المجتمعية والعالمية،كي تحتضن شباب الأنترنيت وكذا مواطنين آخرين.
فضاء هذا السيدة النبيلة والودودة من جنس رحابة الإسلام الكوني الذي نهلت منه،نتيجة قيمه المنصبة على الحب والسلام والحوار.بعيدا على الاكتفاء بهذا،سيمنحها قدرة الكتابة وإعادة التفكير في المكتسبات ثم التجدد باستمرار مع المتخيل.
قبل أن نبدأ معها هذا الحوار،قلنا لها ما يلي :لم يقبل جيل دولوز أن تُطرح عليه أسئلة،بحيث يشعر لحظتها كونه سجينا لتساؤلات الآخرين،ولم يصغها هو. أيضا بدوركم،لا تحبون كثيرا الإجابة عن أسئلة مصدرها الآخر.هل لأن عملكم يرتكز على ملاحقة مستمرة للأسئلة؟أجابتنا المرنيسي : " الإشكال أن الشخص الماثل أمامك الذي يسائلك يصير شٌرطيا،دون إدراكه لذلك،مادام ينتظر منك أجوبة سريعة.هنا يكمن المشكل،فعندما يسألونني ،أحتاج إلى الصمت كي أفكر.الجاحظ،الذي يثير اهتمامي وكان بمثابة أبرز كاتب عند المدرسين في فاس سنوات الخمسينات،اعتبر أن الصمت قد يكون جوابا جيدا''بقوله :''البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة،فمنها مايكون في السكوت،ومنها مايكون في الاستماع،ومنها مايكون في الإشارة،ومنها مايكون في الحديث،ومنها مايكون في الاحتجاج،ومنها مايكون جوابا،ومنها مايكون ابتداء،منها مايكون شعرا،ومنها مايكون سجعا وخطبا''(البيان والتبيين).  
1 في كتابكم ''الحريم السياسي''تساءلتم ثانية عن الحديث الذي أشار إلى الجماعة التي تحكمها المرأة تسير نحو الإخفاق وأوضحتم بأنه قابل كثيرا للنقاش،نظرا من جهة للمعطيات الخاصة بناقله وكذا سياقه التاريخي.في العمق،تقفون ضد النسيان وكذا الذاكرة الانتقائية التي تعيق حاضر المسلمين.هل شعرتم أنه بخصوص إِمرة النساء،يقوم جانب جلي وآخر يكتنفه الغموض فيما يتعلق بتراث المسلمين؟
ج-لقد بدأت بتوضيح تصوري للإسلام وهي نظرة المصري الشهير أحمد أمين(1886-1954)أحد رواد نهضتنا.لقد أعاد التذكير،خلال مقاربته لطبيعة العقل العربي في كتابه ''فجر الإسلام''،أن أصل كلمة إسلام تعود إلى السلم والترفع عن عدوانية الجاهلي المتغطرسة والوقحة.المسلم، من يجيب بهدوء ورفق على التصرف الحقير للجاهلي المتمركز على ذاته والعاشق للصدام.كتب أحمد أمين :''أن كلمة الجاهلية تدل على الخفة والأنفة والحمية والمفاخرة. وهي أمور أوضح،ماكانت في حياة العرب قبل الإسلام،فسمي العصر الجاهلية ويقابل هذا معاني هدوء النفس والتواضع والاعتداد بالعمل الصالح لا بالنسب وهي كلها نزعة سلام.فمعنى الآية كما قال الطبري أن عباد الله هم الذين يمشون على الأرض بالحلم لا يجهلون على من جهل عليهم''.سياق،يشرح في إطاره،أن الجاهلية ليست مرادفا للجهل بل فظاظة مصدرها غياب انضباط يمكنك من السيطرة على غضبك،بالتركيز على الآخر عوض بقائك حبيس نرجسيتك. هذا البعد للتحليل الذاتي، سيقره عالِمنا الكبير محمد عابد الجابري حين أكد بأن الإسلام ''دين العقل'' :''وذلك إلى درجة يمكن القول معها إن القرآن يدعو إلى دين العقل،أعني إلى الدين الذي يقوم فيه الاعتقاد على أساس استعمال العقل"(مدخل إلى القرآن).هذه الصورة عن إسلام متيقظ سيكولوجيا،ومنضبط ذاتيا يجعل منك شخصا هادئا ورائقا،بقيت مترسخة في ذهني منذ زمان أزقة فاس وكذا المدرسة القرآنية في الحي وزيارات أيام الجمعة إلى القرويين حيث تصحبني جدتي ياسمينة المفترض أنها أمية،برفقة أبناء العم قصد الاستماع إلى الواعظ المفضل لديها.لايجب نسيان،أن القرويين كانت في الآن ذاته مسجدا وجامعة مفتوحة للعموم،بالتالي لم تكن ياسمينة محتاجة لإظهار بطاقة هويتها قصد الولوج إلى الداخل،مثلما وضح عبد الهادي التازي في كتابه :''جامعة القرويين :مسجد وجامعة في مدينة فاس''.عموما،جيل ياسمينة لم يتوفر على بطاقة هوية !هذا غريب، أليس كذلك؟هنا يلزم التذكير أن الانضباط الذاتي الذي يقود إلى العلاقة بين الأجناس،شكلت أحد الميادين التي حاول الإسلام أن يستبدل بها العلاقات العنيفة للجاهلية.الخليفة عمر،الذي كان يبغض النساء،اعترف صراحة بأن الإسلام أعلى من شأن النساء وقطع بالتالي مع التقليد البطريركي،مؤكدا بقوله :''عن ابن عباس رضي الله عنه عن عمر بن الخطاب قال :والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ماقسم''.ينبغي خاصة التذكير بأن هجرة الرسول من مكة،حيث كان بالأحرى رجال قبيلة قريش أصحاب نزعة ذكورية،نحو المدينة التي تميزت بهيمنة نساء قبيلة الأنصار على الرجال،فأدت كليا إلى تقويض نظام أصحابه،مثل عمر الذي صار فيما بعد الخليفة الثالث.لقد أفصح الأخير عن دهشته حيال هذه الثورة الجنسية غير المتوقعة :"كنا معشر قريش نغلب النساء،فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم،فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار''.فضلا عن هذا،وبخلاف المسيحية،رفض الإسلام الرهبانية،منحازا إلى جانب تحرير الرغبات الجنسية شريطة عدم السقوط في الزنا،وحث الرجال والنساء كي يصيروا أفرادا مسؤولين،أيضا،كلمة دين مرادفة للحساب.وحسب المعجم الشهير لسان العرب لابن منظور : ''والدين :الحساب،قوله دان نفسه،أي أذلها واستعبدها،قيل :حاسبها".هذا التعريف للدين يكشف عن حدود العلمانية على الطريقة الفرنسية التي أرادت حصر الدين عند المجال الخاص !مادام الدين الإسلامي قبل كل شيء بمثابة انضباط ذاتي نفسي،كيف نمنعها من التطاول على الفضاء العمومي؟كيف نمنع شيئا لامرئيا،مثل الضبط الذاتي للاندفاعات السيكولوجية،اللا مرئية تعريفيا،كي لا تكتسح الفضاء العمومي؟هكذا،كما يشرح محمد الطوزي،فالأمر المستعجل الذي انطوت عليه ثورة الربيع العربي،تمثل في :''التوضيح المؤسساتي الضروري لعلاقة السياسي بالديني"من أجل :''تقليص ممكنات التوظيف الأداتي للدين ضمن الفضاء العمومي".زيادة على ذلك،يلزم التذكير بأن أحد المبررات التي  تشرح الخوف من الإسلام في الغرب خلال القرن الواحد والعشرين يعود إلى التقنية الإصبعية التي مجدت هذا البعد السيكولوجي لديننا.لاسيما مع التألق الإعلامي النسائي المثير للانتباه،ليس فقط كرموز للشهوة لكن أيضا كخبيرات في التواصل البلاغي.
2 –س- تقصدون ظهور النساء كاستراتجيات تواصل في التلفيزيون ؟
ج-بالضبط.فعلا أحد التغيرات المذهلة التي يعيشها العالم العربي خلال هذه العقود الأخيرة تشير إلى التطور الهائل للتلفيزيونات العربية،التي بلغ عددها 650شهر دجنبر 2013 ،حسب خبراء دبي.حقا تجلى الدين أيضا مثل نقطة البؤرة لعدد كبير من هذه التلفيزيونات.لكن ما لاننتبه إليه بدقة،ظهور النساء كمختصات في التواصل يكسبن مالا كثيرا بفضل مواهبهن.الحلول الوازن للنساء في القطاع الإعلامي بالشرق الأوسط ركز الاهتمام حول قدراتهن لكسب المال بفضل امتلاكهن فن التواصل.استحضر كمثال ريما مكتبي،التي عَايَنت منزلها العائلي مهدما خلال حرب لبنان سنة 2005 ثم صارت مراسلة حربية لقناة العربية.عملت في قناة CNN  ب 500 ألف دولار،قبل عودتها إلى قناتها الأصلية.أفكر كذلك في إليسا خوري،التي تحصل كمغنية على 90 ألف دولار عن كل سهرة تثير خلالها حماسة جمهورها.
3-س-هل تألق النساء في الفضاء العمومي،الذي ساعد عليه الاستقلال المالي،يعتبر شيئا جديدا بالنسبة إلى عالمنا العربي؟
ج-قطعا لا !الشاعر القروسطي ابن بسام كان قد رفض أصلا تدخل النساء في المهن ذات الاعتبار التي تقترب من سلطة الخلفاء :''ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابة.هذا لنا،ولهن منا أن يبتن على جنابة''.من هنا فائدة السؤال الذي تطرحه حاليا المجلات العربية : ''لماذا ترفض الفتيات الجميلات أن تتزوجن؟''.هذه الحقيقة قوضت تماما النمط البطريركي كما وصفته بين طيات الكتب التي أصدرتها سنوات 1980 لكنها تبدو لي حاليا متجاوزة.
4-س-في عملكم "أحلام النساء"، تَعْبرون بواسطة الخيال قصد إظهار إلى أي حد في المدرسة وكذا الحريم العائلي،ترسخت ثقافيا في الخطاب الذكوري فكرة أن المرأة منقاذة بينما هي غالبا من يشرف على الأمور يوميا.ما الذي ساعدكم على تبين هذه الفروقات ضمن العلاقات السلطوية بين الرجال والنساء؟
ج-إبان طفولتي،كانت النساء من تروي الحكايات وسط صحن الدار وكذا فوق السطوح.أما الرجال فيقومون بذلك جهارا في حلقة ساحة بوجلود التي تحج إليها الأسر وأطفالهم أيام العطل.تذكروا،حسب بعض المتخصصين في ألف ليلة وليلة كالعراقي حسين حداوي،الذي ترجم سنة1990إلى الانجليزية نسخة القرن الرابع عشرة لهذه الحكايات التي جمعها محسن مهدي الأستاذ بجامعة هارفارد،أن الجدات من نجح في نقل هذه الحكايات على امتداد مدينة بغداد :''عندما كنت صغيرا في بغداد- منذ سنوات خلت-استمعت إلى حكايات ألف ليلة وليلة.كان ذلك أثناء الليالي الطويلة لفصل الشتاء،حينما تزور جدتي هذه السيدة أو تلكألتمس حكاية.عشقت خاصة حكايات الحب والأساطير،مادامت تحلق بي نحو بلد السحر"(حسن حداوي).شخصيا،أسعدتني حكاية المرأة المجنحة التي نعثر عليها ثانية في ألف ليلة وليلة والتي روتها للامينة في صحن الدار،إلى درجة أني التقطت صورة لي بجناحين!فيما يخصني،تتمكن الكائنات الإنسانية عموما والنساء خاصة بفضل قدرة الخيال والحلم،على تجاوز الحدود التي تحول دون تحقيق التطلع إلى السفر.
5-س-السفر أو التجول في الأزقة؟
ج-التجول بهدوء؟أذكركم،في حالة النسيان،أن النساء وهن يسقن الدواب والرجال الذين يمتطونها يصرخن بشكل قوي جدا كي يفسح لهن المارة  الطريق في شوارع فاس الضيقة ! من جهة أخرى، يوجد نص بهذا الخصوص اهتدى له ليون الإفريقي.أنا شخصيا من أصول جبلية،وعندنا كما في طنجة،فالنساء لا يقلن عدوانية عن الرجال،بحيث لا يترددن في الاصطدام بهم. لكن بانتقالنا إلى جنوب المغرب،ستبدو الأمور على النقيض أكثر سكينة.بداية سنوات السبعينات،زرت برفقة صديقتي الكبيرة الفقيدة فاطنة قاصيدي،والديها بمدينة أكادير.للإشارة،هي تنحدر من أسرة عريقة في سوس.كنا نتناقش في جلسة نسائية،لكن ماإن دخل أخوها،حتى التزم الجميع بالصمت،سوى أنا.لذلك لم تتردد مشيرة علي بحركة من يدها كي أتوقف عن الكلام وأكتفي بالاستماع.لأن أخيها الوحيد المسموح له بالتكلم.فيما بعد استفسرتها :ماذا يعني ذلك بالضبط؟فأجابتني : ''إنك لاتفهمي شيئا، أيتها الساذجة،عن أحوال الرجال،فعليك الإصغاء إلى ما يقولونه كي تدركي ما يضمره تفكيرهم''.إذن لم يكن الصمت فعلا للاذعان بل مجرد وسيلة استراتجية تتوخى امتلاك سلطة على الآخر.حين عودتي إلى الرباط،رويت حيثيات الواقعة إلى مؤرخة كبيرة أكن لها تقديرا خاصا.ثم انفجرت ضاحكة،وهي تخاطبني بقولها :''لكن، فاطمة،ألا تعرفين أن إحدى أقوى الملكات في شمال إفريقيا كانت امرأة من جنوب المغرب؟تسمى زينب النفزاوية وتقاسمت السلطة مع زوجها يوسف ابن تاشفين،الذي حكم خلال الفترة الممتدة من 453 - 500 هجرية واستطاع تأسيس إمبراطورية امتدت إلى اسبانيا.والاقتسام ليس بالكلمة المناسبة،لأن المؤرخ أبي زهر الفاسي وصفها بالقائمة بأمره ''.تصوروا أن اكتشافي لاسم زينب النفزاوية حفزني كي أشرع في كتابة عملي :سلطانات منسيات،نساء حاكمات في الإسلام،الذي أصدرته سنة 1990 . ويلزم الاعتراف لكم بأن أفضل مكان لتناول كل ذلك ليس المدرسة حيث سخاء المعرفة،بل الشارع والجماعة والزقاق،أي فضاءات تلزمك كي تتحلي بتواضع الإنصات للجميع دون اعتبار لوضعه أو طبقته.كنا لحظتها بعيدين عن الصورة الحالية لنخبة تعيش منعزلة وسط إحياء تحظى بحماية مفرطة تحول تماما بينك وبين التجول،وأيضا بعيدين جدا عن الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان.   
6 –س-اعتبرتم منذ أمد بعيد أن الحركة النسوية الغربية،منفصلة عن الحقائق الواقعية.ما أصل هذا الموقف؟
ج-كانت الحركة النسوية في الغرب مسألة نسائية!بينما شكلت في بلداننا،قضية للرجال مثل قاسم أمين(1863-1908).وقد سبق أن كتبت مايلي في مجلة ''الحياة الاقتصادية" :''إذا سألوني عن نظير ل فيرجينا وولف(1882-1941)،كاتبة انجليزية ووجه رمزي للحركة النسائية في الغرب،فإني أرشح بالنسبة للمشرق اسم رجل يدعى قاسم أمين،هو قاض مصري أصدر سنة 1899البيان العام النسائي الأكثر قوة في تاريخ الإسلام،المتعلق بتحرير المرأة.ليس نتيجة غياب نساء يطالبن بالمساواة خلال تلك الفترة،بل ببساطة لأن قاضيا من الأزهر تبنى شعارات نسائية كان له أكثر وقع الصدمة :لقد خلخل تماما نفوذ المحافظين الدينيين على السياسة مانحا بذلك الحركات الوطنية في العالم العربي،وأنصار الإصلاح إمكانية إصلاح الدولة بإرساء مؤسسات ديمقراطية على النمط الغربي مثل البرلمان،الانتخابات، إلخ''.بداية القرن،أرغم كتاب قاسم أمين القادة الوطنيين،مثل كمال أتاتورك،كي يضعوا قضية تعليم المرأة في طليعة لائحة إصلاحاتهم :"تشكل النساء على الأقل نصف ساكنة كل بلد،بالتالي تركهن عرضة للجهل يعني ضياع قدرة العمل لدى نصف الأمة''.ذات مرة،استضافتني الحركات النسوية في السويد،وأتى رجل صحافي سوري،كي يجري حوارا معي،لكنهم منعوه من ولوج القاعة.حينما طلبت من السويديات تفسيرا لذلك،أي سبب الاعتراض على دخول السوري،أكد جوابهن بأن السياق يتعلق باجتماع للنساء فقط.لحظتها امتنعت عن مواصلة الحضور،لأن الأمر بالنسبة إلي،يعتبر إعادة إحياء للحريم.ثم رجعت ثانية فقط كي أقول لهن مايلي :"لايمكن تحقيق حرية ومساواة،في ظل انفصال وإقصاء وميز،يمس الفضاءات".منذئذ،قطعت علاقتي مع الحركات النسائية الغربية وتحولت صوب الشرق لاسيما الهند،ماليزيا ومصر.يلزم التذكير بأن العرب لم يعرفوا نظيرا ل كمال أتاتورك الذي سمح للنساء التركيات بالحق في التصويت قبل الغربيين !تاريخيا،من الضروري إعادة قراءة تاريخ بديات الجمهورية التركية لحظة تأسيسها من طرف أتاتورك.سنة 1909،وقع الانقلاب على السلطان عبد الحميد وحظر الحريم.سنة 1925،أعلن أتاتورك عن سلسلة إصلاحات تتعلق بالقوانين وكذا وضعية النساء.لقد شرعن يصوتن في تركيا ومصر،قبل الفرنسيات.سنة1937،انتخبت أولى النساء إلى البرلمان التركي،وكان عددهن ثلاثة.بينما واصل المستشرقون الغربيون نسج خرافات حول جواري الحريم،اختلفت المعطيات على أرض الواقع بخصوص المساواة السياسية.  
7-س-ماذا عن الحركة النسوية في المغرب؟
ج-ألح على أن الحركة النسوية في العالم الإسلامي،كانت بداية شأنا لرجال أصحاب رؤى فهموا  أن قوة وطن ما،يعود إلى تحريك إبداعية العقول،سواء عند النساء أو الرجال.حينما زار محمد الخامس القرويين سنة 1943كي يتكلم عن تمدرس النساء،قال له أحد العلماء :"تعليم امرأة،يعني أفعى تسقي سما !''فأجابه العاهل :أن البنت ليست بأفعى أولا ولايمكن أن نقبل أن تكونوا أنتم وهؤلاء ونحن أبناء أفاعي !"لكن اليوم، وفي ظل عصر قاربت الأقمار الصناعية العربية رقم 650 ،حتى الفاصل بين الفضاء الخاص والعمومي،الذي استثمره المحافظون من أجل الإبقاء على المرأة ضمن الفضاء الأول،لم يعد إجرائيا.حينما استمعت سنة 2012إلى خبيرات الإعلام اللواتي شاركن في كتاب : "الصحافيات المغربيات : جيل الحوار".تبينت بأن إحدى الثورات التي تفسر الدمقرطة السلمية في المغرب هو تقوية الحوار بين الرجال والنساء.بعض هؤلاء النسوة الصحافيات المغربيات،اللواتي هاجر آباؤهن من القرى النائية قصد الاستقرار في الدار البيضاء،ومارسوا مهنا صغيرة،أصبحوا متساوين ثانية داخل البيت وهم يتابعون التلفيزيون جميعا.هناك أسطورة حضرية تجعلك تعتقد بأن هذا الفكر المؤمن بالمساواة ينتشر أكثر ضمن صفوف الطبقات الميسورة،البورجوازية.ليس صحيحا.في هذا الكتاب،اكتشفت باندهاش أنه ضمن هذه الطبقات المتوسطة الجديدة،تطورت خلال العقدين في المغرب،المساواة بين الأجناس.
8-س-في كتابكم ''الإسلام والديمقراطية''،وهو بمثابة وثيقة تحذيرية،  المرتبط مشروعه بظروف حرب الخليج،تشرحون عبر صفحاته  تاريخية الطموح نحو الديمقراطية،لدى العرب.ابتدأ هذا مع المعتزلة ثم تجلى كذلك مع التظاهرات السلمية لعصرنا.فما هي قراءتكم للمعركة بين الأفراد والاستبداد على مستوى منطقتنا؟
ج-بالنسبة إلي،من البديهي أن الاستبداد في بلداننا خلال القرن العشرين،كان نتاجا للقوى الكولونيالية وكذا الكولونيالية الجديدة ثم تسيدهما التكنولوجي والعسكري.بقدر ما تتوطد سلطة الديكتاتور العربي،فإنه يخدم بشكل أفضل الاستغلال الغربي.مثلا، انتفاضات ساحة التحرير في مصر،ضد مبارك،تمثل تظاهرات رافضة لسلطة استعمارية جديدة.لقد حددت كهدف لها هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية،التي تقدم الأسلحة (تحت غطاء مساعدات)إلى الديكتاتور ومن تم دعم سلطته كي يرهب الشعب.اليوم،نعاين ظاهرة جديدة كليا.تقنيات التواصل التي أكدت حلم المساواة والذي يفسر الربيع العربي :''محرك السلطة''،هو قدرتك على الحوار،كما تشرح الجامعية التونسية نورة بن حمزة. أن تقتل في العصر الرقمي،لم يعد يجعلك أكثر قوة كما السابق :''يعتبر الحوار محرك الإحداث وملهما للشخصيات،يمكن من الوصول إلى الأهداف والكشف عن معنى للأشياء ''.
9-س-في خطاب ألقيتموه بمناسبة تتويجكم بجائزة الأمير أستورياس سنة 2004 ،قارنتم حرب العراق بغزو دموي لرعاة البقر.وطرحتم التساؤل :من سيفوز الكوباوي أو سندباد؟بخلاف الأول الذي يقتل الأجنبي،يبحث سندباد عن هذا الأجنبي كمنبع للثراء.هل استُمع إلى كلامكم؟
ج-تحيل شخصية سندباد على الحركية :''إن طول المقام من أسباب الفقر كما أن الحركة من أسباب اليسر''.لقد أدركت بأن الرغبة في السفر فكرة مترسخة كونيا.وحماقة الغرب هي منع الفقراء من السفر سوى بتأشيرة.عندما نتكلم حاليا عن تراجيدية مالي،فقد أصدر الديبلوماسي العراقي هاشيم الألوسي سنة 2010،كتابا تطرق لموضوع الطوارق شارحا بأن الحل الوحيد يكمن في الاعتراف للرحل بحق التنقل بدل محاصرتهم داخل حدود إقليمية وضعتها القوى الاستعمارية.إذن مغزى درس سندباد، كالتالي :''اغترب تتجدد''.عندما استضافتني سنة 2004 جائزة أستورياس وألقيت خطابي،تجنب الصحافيون الإشارة إلى عنواني :''سندباد أو الكاوبوي؟".بالنسبة إليهم،فإني ألمح إلى دموية الغرب الذي خلق الكاوبوي،بينما الإسلام أكثر حداثة لأنه يبجل الحركة.
10-س-بالفعل تشتغلون على كتاب باللغة الانجليزية حول الخوف من الإسلام؟هل وجدتم بداية جواب عن هذا السؤال الهائل؟
ج-أعتقد بأن الإسلام يخيف البلدان الغربية خلال هذا القرن الواحد والعشرين أكثر من أي فترة أخرى،لأن هذه الديانة تلغي وجود الحواجز الجغرافية التي أقامتها الكائنات البشرية ويقر بامتيازنا كي ننتقل بحرية على امتداد الأرض التي وصفها القرآن مثل بساط في سورة نوح.تأملوا معي الآية19 : "والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا''.كانت تشعرني بالسعادة خلال طفولتي وتحفزني دائما كي أحلم بالحركة حين شعوري بالعجز سواء جسديا أو نفسيا.إذا كنت تعاني مشكلة ما،فارفع هامتك،وتأمل النجوم ثم تحرك !حينما يمنحنا الإسلام مزية التجذر في محيطنا الكوني،فإنه يدعونا كي نرحل ونشعر بانتماء إلى ذات المكان أينما ارتحلنا،سواء في الهند أو بروكسيل.هنا،لاينبغي نسيان أن البلدان الأوروبية التي رسمت خلال القرن السادس عشر مختلف الحدود الجغرافية الحالية،كما يفسر ذلك جاريد ديامون:" حتى عام 1500 ،فأقل من 20 %  من المساحة العالمية كانت تحدها حدود وضعتها الدول التي تدير بيروقراطيات وتحكمها قوانين.اليوم،وبغض النظر عن القطب الجنوبي،فباقي الكرة الأرضية مقسما على هذا النحو''.ليس مدهشا إذن أن البلدان الغربية التي خلقت هذه الحدود الجغرافية حينما استعمرت العالم،هي الأولى التي تتهيب عولمة تعيد مساءلتها ثانية وتلح على البعد الكوني لمجالنا الطبيعي الذي يرسخنا جميعا عند نفس القاعدة المشتركة.فجأة أصبح الغربيون مهووسين بالبيئة !وكما لو الأمر صدفة،فسواء مع الإسلام أو جل ديانات الكتاب المقدس،يعتبر المقدس والطبيعي شيئا واحدا.بداهة لاتخفى قط عن أهل الاختصاص العلمي في الغرب الأكثر نباهة  :الله الذي استحضره ألبير اينشتاين يقترب من إله الفيلسوف الهولندي سبينوزا،مثلما دافع عنه خلال القرن السابع عشر : ''الله والطبيعة اسمان لذات الحقيقة،وأن الله هو الطبيعة نفسها''.إذن،في ذات اللحظة التي يطرد خلالها الحجاب كرمز للمقدس  من شوارع العواصم الغربية، نلاحظ انبعاثا ثانيا في الأفق للمقدس الأفق كانشغال بمحيط كوني أهملناه. نتيجة ذلك،يستوعب الغرب أن علمه لم يمكنه من السيطرة على المحيط الكوني،لكن أيضا بوسع الأخير،الثأر بخلقه لكوارث مدمرة. 
*هامش:

Fatima Ait Mous et Driss KsiKes :le métier d intellectuel ; en toutes lettres ; 2014 ;pp89- 105.